العمل الإنساني: مسؤولية مشتركة

[name]
العدد 1 من المجلد الثالث والخمسون 2016

يتضمن هذا العدد طائفة متنوعة من وجهات النظر المتعلقة بتحسين العمل الإنساني على الصعيد الدولي مشفوعة بتأملات شخصية في مسألة التعافي من الكوارث الطبيعية والكوارث التي يتسبب فيها الإنسان. ويصدر هذا العدد دعما لأهداف أول مؤتمر قمة عالمي يُعقد بشأن العمل الإنساني (إسطنبول، تركيا، 23-24 أيار/مايو 2016). 

ولقد أسهمت جهود الأمم المتحدة في تلبية الاحتياجات الملحة لمن عصفت بحياتهم أحداث من قبيل الزلازل والمجاعة والحرب. وساعدنا أيضا المجتمعات المحلية المتضررة على إعادة تشييد بنى تحتية أشد صلابة وبناء مؤسسات أقوى بما يسهم في حماية تلك المجتمعات من أي كوارث في المستقبل.

ولسنا في حاجة إلى إبراز مدى إلحاح الأمر: ذلك أنه إذا استمرت الاتجاهات الديمغرافية واتجاهات النزاعات - نزاعات معقدة طويلة الأمد تنذر باحتمال تجددها ويواكبها حركة نزوح قسري بأعداد قياسية وامتداد النزاع إلى المناطق العمرانية وانعدام المساواة على نحو متنامٍ - ستزداد الفجوة بين الاحتياجات والاستجابة اتساعا.

ومن ثم فالضرورة الملحة التي تستدعي إيجاد حلول أفضل من أجل ملايين من البشر دمر النزاع والعنف حياتهم كانت من الدوافع الرئيسية التي حدت الأمين العام للأمم المتحدة بان كي - مون على اتخاذ قرار عقد مؤتمر القمة العالمي للعمل الإنساني في 23 و 24 أيار/مايو 2016 في إسطنبول.

إننا إزاء أزمة نزوح عالمية، وواجبنا كمجتمع عالمي التصدي لها. فلا بد من توحيد الجهود في مواجهتها. لا بد من تفهم مشاعر الغير والتعاطف معهم. لا بد أن نفكر في ما يمكن أن نفعله كأفراد وكأسر وكجيران وكجماعات وكدول وكأمم.

والواقع أن الأزمات الإنسانية تُحمِّل الاقتصاد العالمي تكاليف تقدر بالملايين، وتضع حدا للمكاسب المحرزة نتيجة للتنمية بل وحتى تعكس مسارها. ففي كل عام تنمو الاحتياجات وترتفع التكاليف.

وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن التمييز والإقصاء والفساد وانعدام الحوكمة والإفلات من العقاب والفقر الضارب أطنابه وانعدام الفرص كلها أمور تشكل مجتمعة الأسباب الرئيسية لأي نزاع. ومما يزيد من خطورتها آثار تغير المناخ واحتدام التنافس على الموارد المضمحلة.

وإضافة إلى الحكومات، يتوجب على جهات العمل الإنساني السعي إلى اجتذاب دوائر الأعمال بما يكفل الاستفادة من مهاراتها وقدراتها الرئيسية. فما زال دور دوائر الأعمال في الأنشطة الإنسانية دورا محدودا رغم ما لديها من أفكار خلاقة وقدرات تتيح لها توفير حلول جديدة فيما يتصل بإدارة المخاطر ودعم جهود إيصال المعونات وخلق فرص عمل وتحديث سبل كفالة الشفافية والمساءلة.

فعدد المتضررين سنويا من الكوارث الطبيعية التي يشهدها العالم يزيد في المتوسط عن 200 مليون نسمة ويربو عدد النازحين على 20 مليون شخص(2). ولذا سيكون الموضوع المتعلق بأثر الأخطار الطبيعية والتأهب لها ومواجهتها من المواضيع الرئيسية التي ستتناولها دوائر العمل الإنساني وقادة العالم عند التقائهم في مؤتمر القمة العالمي للعمل الإنساني في إسطنبول في أيار/مايو 2016.

ومن المفروض أساسا أن التعاون المستمر بين الجهات الفاعلة الدولية والوطنية والمحلية يؤدي إلى مزيد من الاتساق في جهود الشركاء في مجال العمل الإنساني؛ ويزيد الوعي بالاحتياجات الفعلية والاستراتيجيات الطويلة الأجل؛ ويحد من الازدواجية في ما يقدم من مساعدات؛ ويساعد على كفالة الربط بين المساعدة في مجال الإيواء وبناء مساكن أشد صلابة.

مع استمرار اتجاه تكلفة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات إلى الانخفاض، أصبحنا نشهد بشكل متزايد ثورة رقمية تحفز على التغيير من وسط السكان المحليين وصولا إلى الوكالات الدولية.

تُلمس الآثار المدمرة المترتبة على الكوارث الطبيعية بقدر أكبر في البلدان الفقيرة منها في البلدان الأكثر رخاء. ورغم أن الأخطار الطبيعية تطال كلاّ من الأمم الغنية والفقيرة نجد أن حالات الوفاة بسبب الكوارث التي سُجّلت على امتداد السنوات الأربعين الأخيرة وعددها 3.3 ملايين حالة، وقعت في بلدان فقيرة.

ولسوف يستلزم تعزيز الروابط بين المنظمات غير الحكومية الوطنية ونظيراتها من المنظمات الدولية في أفريقيا التحلي خلال القمة وما بعدها بقدر كبير من الشفافية والأمانة؛ واحترام كل من المشاركين لإسهامات الآخر؛ والتنويه بالمزايا النسبية والولايات المضطلع بها؛ وتحديد المنفعة المتبادلة من خلال زيادة المساعدة المقدمة للسكان المتضررين من الأزمة بحيث تتحقق مكاسب أكبر من العمل جنبا إلى جنب بدلا من التنافس؛ وتحلي الجهات الفاعلة جميعها بالشجاعة لمحاسبة نفسها وتسليم السلطة أو الموارد وإبداء الاستعداد لذلك.

ففي الوقت الراهن يعيش 93 في المائة من السكان الذين يعانون من فقر مدقع في بلدان تعصف بها الأزمات الإنسانية. وغني عن البيان أنه لا بد من استعمال كل دولار من دولارات المعونة للإسهام في تخفيف معاناتهم.

ويُذكر في هذا الصدد أن ما يقرب من 50 في المائة من سكان العالم أو ما يقدر بزهاء 3.5 بلايين نسمة يعيشون بالفعل في المناطق الحضرية وأن التوقعات تنبئ بازدياد تلك النسبة إلى 70 في المائة بحلول عام 2050.