الطاقة المستدامة

[name]
العدد 3 من المجلد الثاني والخمسين 2015

نحن على مقربة أيام قلائل من افتتاح مؤتمر الأمم المتحدة لعام 2015 المعني بتغيُّر المناخ في باريس. ومن شأن اتفاق جديد للمناخ أن يشكِّل منطلقاً مهماً من أجل تنفيذ الخطة العالمية للتنمية المستدامة. وبالإضافة إلى التوصُّل إلى اتفاق طموح بشأن المناخ فإن التصدّي للإجراءات المتعلقة بالتمويل والحشد في مجال المناخ، من جانب جميع الأطراف المعنية صاحبة المصلحة، يشكّل بدوره عناصر جوهرية أخرى لنجاح المؤتمر المرتقب. وهذه فرصة أساسية للمضي قُدماً في مجال تنفيذ خطة 2030 وأهداف التنمية المستدامة مع تمهيد السبيل من أجل مستقبل أكثر استدامة.

الطاقة المستدامة للجميع هي دعوة تجمع بين الثورة والإصلاح: رؤية راديكالية تتيح لكل فرد سُبل الحصول على الطاقة الموثوقة مع إمكانية تحمُّل تكاليفها على نحو ما يحتاجه المرء لكي يعيش حياة مُنتجة وصحية وآمنة مع احترام القيود الكوكبية التي أصبحنا جميعاً نواجهها نتيجة لتغيُّر المناخ.

بصفتي المدير العام للوكالة الدولية للطاقة المتجدِّدة، فقد قَبِلت بكل سرور فرصة الكتابة عن التحوُّل المرموق لقطاع الطاقة بفضل تكنولوجيات الطاقة المتجدِّدة. وقد تلقيت الاقتراح بشأن الموضوع من خلال دعوة كريمة موجَّهة من مجلة وقائع الأمم المتحدة، ولسوف نعود إليها في لحظة لأنها تقول الكثير بشأن موقِع الطاقة المتجددة اليوم وكيفية النظر إليها.

بالنسبة للمجتمع العالمي، ينبغي أن توضَع الطاقة المستدامة العالمية الشاملة على قمة الأولويات. فنحن ندين بها في حالة البشر الذين يبلغ عددهم 1.1 بليون نسمة ممن يعيشون وهم لا يزالون محرومين من الكهرباء، وكذلك للبشر الذين يبلغ عددهم 2.9 بليون نسمة ممن لا يزالون يستخدمون أنواع الوقود من الكتلة الإحيائية الملوَّثة لأغراض الطهي والتسخين. على أن الطاقة أمر أساسي من أجل إنهاء حالة الفقر إذ تقوم على أساسها عمليات النمو الاقتصادي وإحراز التقدُّم في جميع مجالات التنمية - ما بين الأمن الغذائي إلى المياه النقيّة إلى التعليم وفُرص العمل والرعاية الصحية.

برغم تزايد استخدام الطاقة، فالحاصل أنه للمرة الأولى في أربعة عقود، أن انبعاثات الكربون الكوكبية المرتبطة باستهلاك الطاقة ظلّت مستقرة في عام 2014 بينما استمر الاقتصاد العالمي في النمو. وهذا الاستقرار ما زال يرجع جزئياً إلى زيادة إطلاق الطاقة المتجددة، ثم إلى ما طرأ من تحسينات على كفاءة الطاقة، وكلا الأمرين شهد خطى متسارعة بصورة مشهودة في السنوات الأخيرة.

يشكِّل تغيُّر المناخ واحداً من أكبر تحدّيات زماننا. ومع ذلك تتساوى في الأهمية أيضاً الحاجة إلى ضمان إتاحة الطاقة من أجل تحقيق نوعية الحياة والتنمية الاقتصادية. وعليه، فمن الأهمية بمكان التصدّي لتغيُّر المناخ كجزء من خطة التنمية المستدامة. على أن التقدُّم المتواصل في تطوير التكنولوجيات الجديدة هيأ سُبل الثقة والأمل في إمكانية تلبية هذه الأهداف فيما يتصل بمنظومة الطاقة. كما أن التخفيضات المشهودة في الأسعار، فضلاً عن أوجه التقدُّم التكنولوجية في مولّدات الرياح والخلايا الشمسية، أوضحت أن هذه المصادر من الطاقة المتجددة يمكن أن تكون من اللاعبين المهمين في نُظم الكهرباء العالمية، وأن الفتوحات التي طال انتظارها فيما يتصل بتكنولوجيا تخزين الطاقة على أساس فعالية التكاليف، إنما تؤدي إلى تحويل مجموعة الطاقة الأساسية بصورة ملموسة.

رخاء الطاقة له وجه أنثوي في كل يوم تواجه النساء حول العالم أسوأ العواقب الناجمة عن عدم إتاحة الطاقة الحديثة، وينفقن أكثر من 20 في المائة من دخل الأسرة على مواد الكيروسين والشموع لاستخدامها في أغراض الإنارة رغم أنها أمور ينقصها الكفاءة وتتسم بالخطورة، ثم يقطعن مسافات طويلة لجمع حطب الوقود، بل يضعن مواليدهن وسط حلكة الظلام ويبذلن جهوداً مضنية في مطابخ حافلة بالدخان ويغامرن في الليل باستخدام المراحيض خارج البيوت وهي محرومة من الضوء. ثم تُترك الفتيات خلف المسيرة بغير إتاحة فُرص التعليم نظراً للافتقار إلى أضواء موثوقة. ومن ثم فإن ضمان إتاحة الطاقة للمرأة والفتاة ليس مجرد أمر يتعلّق بحقوق المرأة بل إنه قضية من قضايا حقوق الإنسان الأساسية. وهناك عدد من الدراسات الكمّية والكيفية التي أوضحت أن إتاحة سُبل الطاقة النظيفة يرتبط بالفرص الأفضل المتاحة للفتيات لكي يُكمِلن التعليم الابتدائي وأيضاً للنساء لكي يحصلن على أجور أفضل، فيما تُسهم كذلك في الحدّ من ارتكاب العنف على أساس جنساني. أمّا القدرة على إمداد الهواتف المحمولة بالطاقة فتعني تواصلاً أكفأ وفُرصاً أفضل للاشتغال بالأعمال التجارية.

على مدار السنوات العشرين الماضية شهدت المناطق الحضرية نمواً مشهوداً. وفي الوقت الحالي يوجَد أكثر من 3.5 بليون نسمة يسكنون المناطق الحضرية (ما يقرب من نصف سكان المعمورة). والبلدان النامية بالذات هي التي تتعرّض للتغيُّر السريع ما بين الاقتصادات الريفية إلى الاقتصادات ذات الأساس الحضري باعتبار أنها تتحوَّل من خلال سكانها المتحوّلين إلى الحَضَر (الأمم المتحدة - الموئل والمجلس الدولي للمبادرات البيئية المحلية وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، 2009، ص. 7).

في ضوء استعادة ما تم مؤخراً من الاحتفال بالذكرى السنوية السبعين للأمم المتحدة، إضافة إلى الاعتماد التاريخي لأهداف التنمية المستدامة السبعة عشرة، يصبح التوقف ضرورياً من أجل التسليم بالإنجاز التاريخي الذي يتمثل في إدراج الهدف 7 من أهداف التنمية المستدامة، المتعلق بالطاقة، ضمن الخطة الجديدة. ذلك لأن إدراج التنمية المستدامة ضمن إطار أهداف التنمية المستدامة أمر لا يقل أهمية عن التدليل على نفوذ الأمم المتحدة ودولها الأعضاء في تحويل المنظورات العالمية المتعلقة بالقضايا الجوهرية ووضع معايير جديدة وقيم عالمية شاملة، فيما يجري العمل كذلك على حل الكثير من التحديات العالمية المطروحة اليوم في حوارات السياسة والاقتصاد والبيئة على السواء.

عندما تم نشر التقرير الأول بشأن نطاق المناخ بواسطة صندوق الاستثمار المتعدد الأطراف التابع لمصرف التنمية للبلدان الأمريكية وهيئة بلومبرغ لتمويل الطاقة الجديدة في عام 2012، فربما كان من دواعي الدهشة بالنسبة للكثيرين أن هناك بلداً في أمريكا الوسطى يأتي ترتيبه الثاني بين دول أمريكا اللاتينية في المؤشر الذي يعمل على تقييم استثمارات المناخ من أجل الطاقة النظيفة حيث يقتصر الأمر فقط على البرازيل.

في الوقت الذي اعتمدت فيه الجمعية العامة للأمم المتحدة الهدف 7 من أهداف التنمية المستدامة، الذي يسعى إلى ضمان حصول الجميع بتكلفة ميسورة على خدمات الطاقة الحديثة والموثوقة والمستدامة، كانت الدول أعضاء الجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس) قد بدأت بالفعل رسم خارطة الطريق الإقليمية الخاصة بها، وطرحت خططها للعمل الوطني من أجل تحقيق هذا الهدف. ومن هنا تبدو المنطقة وكأنها ماضية على أسرع طريق من أجل الخروج من فخ الفقر في مجال الطاقة.

بنغلاديش بلد مساحته 570 147 كم2، ويبلغ عدد سكانه 159 مليون نسمة. ولقد أظهر البلد نمواً هائلاً في السنوات الأخيرة وحقق معدلاً في زيادة الناتج المحلي الإجمالي يبلغ في المتوسط 6 في المائة. وأدى ازدهار النمو الاقتصادي وسرعة التحضر وتوسع التصنيع والتنمية إلى زيادة الطلب في البلاد على الكهرباء. ومن المسلَّم به أن الطاقة تُمثل العنصر الرئيسي في تخفيف حدة الفقر وتحسين الأحوال الاجتماعية الاقتصادية لشعب بنغلاديش.

في حقبة تشهد تغيُّر المناخ، وقد جعل من الضروري أن تقوم البلدان حول العالم بتنفيذ حلول تتصل بالطاقة المستدامة، تعرض أيسلندا حالة فريدة في بابها. فاليوم نجد أن ما يقرب من نسبة 100 في المائة من الكهرباء المستهلَكة في هذا البلد الصغير، الذي يضم 000 330 نسمة، يأتي من الطاقة المتجددة.

سبق اتباع نَهج هذه المفاعلات من الملح المنصهر على نطاق واسع بالولايات المتحدة بين عقدي الخمسينيات والسبعينيات من القرن العشرين. وعلى خلاف المفاعلات الحالية فقد أتاحت حلولاً فريدة بالنسبة إلى كثير من التحدّيات التي تواجهها المفاعلات التقليدية.

يشكل تقديم خدمات الطاقة، ومنها مثلاً الإنارة وسُبل الراحة الحرارية والطهي والمواصلات والانتقال أمراً لا غنى عنه بالنسبة للرفاه الاجتماعي والاقتصادي. ولكن استخدام المحروقات الأحفورية من أجل تلبية هذه الاحتياجات يمكن أيضاً أن يفضي إلى مزيد من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري مما يحتمَل أن يُشكل تهديداً لرفاهنا.