طريق العودة

رجال من مجتمع من النازحين الذين استأجروا أرضاً لموسم الأمطار في دالي بالقرب من بلدة طويلة، فارين من القتال العنيف الذي وقع في شنقل طوباية، شمال دارفور في عام 2011. ©UN Photo/Albert González Farrán

 

أغاديز، النيجر، 2016

تعد أغاديز، وهي بلدة تقع في شمال النيجر، يرتادها السياح الذين يزورون موقع التراث العالمي التابع لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، تعد اليوم واحدة من نقاط العبور الرئيسية للمهاجرين من غرب أفريقيا. خلال زيارتي لأغاديز العام الماضي، التقيت بشاب لم يتمكن من الوصول إلى أوروبا. وقد قال لي "أفضّل البقاء هنا ولا أقوم بفعل أي شيء، بدلاً من العودة إلى دياري حيث لن أقوم بفعل أي شيء هناك".

لقد كان واحداً فقط من حوالي 150,000 شخص يمرون عبر أغاديز أو نقاط عبور مماثلة عبر الساحل كل عام. وقد عثر على وكيل واستقل شاحنة لعبور الصحراء. لم يصل أبداً إلى وجهته واضطر إلى العودة إلى أغاديز حيث كان كل ما يفعله مجرد التسكع، بدون أموال للقيام برحلة أخرى. في وسط الصحراء، هناك مئات بل آلاف من الشباب - مثله تماماً - ينتظرون. في انتظار فرصة للذهاب إلى مكان ما والقيام بشيء ما تجاه حياتهم.

ماذا عساك أن تفعل؟

إن غالبية الشباب لديهم هدف بسيط واحد: الوصول إلى ليبيا أو العبور إلى البلدان الأوروبية للعثور على وظيفة. ومعظمهم، إن لم يكن كلهم، يأتون إلى أغاديز غير مستعدين بشكل جيد. ونادراً ما يكون لديهم ما يكفي من النقود للرحلة أو معلومات عن المخاطر التي سيتعرضون لها. ومع ذلك لا يزال مئات الآلاف يحاولون.

يعترف معظمهم بحرية أنهم لن يكونوا هناك في المقام الأول إذا كان لديهم وسيلة لكسب لقمة العيش في أوطانهم. ويتعرض الشباب بوجه خاص لضغوط من الأقران أو الأسرة للمغادرة، والعثور على عمل، ومن ثم المساهمة في دخل الأسرة ومعيشتها. إن العودة للوطن خاوون الوفاض هو ببساطة ليس خياراً.

وھو تحد خاص في منطقة تعتمد فیھا کل أسرة تقریباً علی الأرض لسد جميع الحاجات المتعلقة بکسب العیش - الغذاء والماء والطاقة والتوظیف. ويعتمد ما يصل إلى 80 في المائة من سكان أفريقيا على الموارد الطبيعية من أجل البقاء، بينما تمثل الزراعة أكثر من ثلث الناتج المحلي الإجمالي في أفريقيا في المتوسط. ويؤدي انخفاض الإنتاجية وارتفاع عدد حالات الجفاف وشدتها في جميع أنحاء أفريقيا، ولا سيما في غرب أفريقيا على مدى العقدين الماضيين، إلى زيادة صعوبة الفرد العادي في البقاء على قيد الحياة.

إننا نخلق مجموعة من الناس اليائسين، والعاطلين عن العمل والضعفاء. ونتيجة لذلك، يواجه الفقراء الذين يعتمدون على الأرض خيارات صعبة.

ومع تراجع فرص العمل المعتمدة على الأرض، ينتقل 10 ملايين شخص إلى مدن أفريقيا جنوب الصحراء كل سنة. ويعيش ثلثاهم، أو 7 ملايين نسمة، في مستوطنات عشوائية أو أحياء فقيرة، ولا يتوقع سوى مليوني شخص منهم أن ينتقلوا إلى مكان آخر.1

وفي الوقت نفسه، تستغل الجماعات المتطرفة مثل تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (حركة داعش)، وحركة الشباب، وبوكو حرام الإحساس باليأس لأغراض التجنيد.2 وفي الصومال، على سبيل المثال، عانى سكان البلد من آثار الجفاف المطول بين عامي 2010 و2012. وبالإضافة إلى عدم الاستقرار السياسي والصراع وانتشار الفقر، أدى ذلك إلى حالة طوارئ ومجاعة على المستوى الوطني، تلاها نزوح واسع النطاق على الصعيدين الداخلي وعبر الحدود الوطنية على السواء.3 وانحدار سوريا إلى حرب أهلية في عام 2010 وانتهازية تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام لتجنيد الأشخاص الضعفاء كلها مرتبطة بآثار الجفاف الذي طال أمده في عام 2006. 4

وفي موقف مماثل، هل سيضيع أي منا فرصة مغادرة البلد وإيجاد عمل جيد في أوروبا؟ إذا لم نقم بتأمين الأرض وجعل قاعدة الموارد الطبيعية أكثر قدرة على الصمود، فإننا لا نستطيع أن نأمل أن نقدم للشباب والضعفاء خيارات بديلة للهجرة القسرية.

الأسباب الجذرية للهجرة

ارتفاع معدلات البطالة ونقص فرص العمل الجيدة هي العوامل الرئيسية التي تشكل قرارات الشباب المتعلقة بالهجرة. ويشكل الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و29 سنة من أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى المجموعة الأكثر ميلاً للانتقال إلى الخارج بحثاً عن فرص عمل. وعلى الصعيد العالمي، مثلت هذه الفئة العمرية نحو 51 مليون مهاجر دولي حول العالم في عام 2015، أي أكثر من 21 في المائة من أصل 243 مليون مهاجر في جميع أنحاء العالم في ذلك العام.5

وفي الوقت نفسه، يعيش أكثر من 67 مليون شخص في منطقة الساحل مع آثار تدهور الأراضي والتصحر. وفي جميع أنحاء أفريقيا، يعيش واحد من كل ثلاثة أشخاص في منطقة معرضة للجفاف. ومع نمو عدد سكان أفريقيا بسرعة من 1.1 مليار نسمة في عام 2016 إلى ما يقدر بـ 2 مليار نسمة بحلول عام 2050، ستصبح هذه الاتجاهات أكثر وضوحاً.

وفي أفريقيا، كانت الهجرة تستخدم دائماً كتدبير مؤقت لتحسين الدخل والأمن الغذائي بين السكان الريفيين في الأوقات الصعبة. ومن الممارسات الشائعة أيضاً لدى الشباب أن يهاجروا، على سبيل المثال، لجمع دخل إضافي استعداداً للزواج. ومع ذلك، ينظر اليوم إلى الهجرة على نحو متزايد باعتبارها الهروب الطويل الأجل، بل الدائم، من الفقر وانخفاض مستويات المعيشة. وقد أصبحت الهجرة للمزيد من الناس الطريق الوحيد للخروج.

هناك طرق أخرى للعودة

يمكننا أن نبدأ بفرص اقتصادية وفرص عمل للشباب والسكان الريفيين من خلال البناء الخلاق على التنمية المستدامة وفرص النمو الشامل المنصوص عليها في خطة التنمية المستدامة لعام 2030. وتعتبر مبادرة الاستدامة والاستقرار والأمن (3S) في أفريقيا التي أطلقتها المغرب والسنغال في عام 2016 مثالاً جيداً.

وتهدف هذه المبادرة الحكومية الدولية التي تقودها أفريقيا إلى تحقيق الاستقرار في المناطق "المعرضة للخطر"، وذلك لانعدام الأمن والهجرة المتعثرة من خلال خلق فرص عمل جديدة لإعادة تأهيل الأراضي المتدهورة. والفئات المستهدفة هي فئة الشباب والضعفاء من السكان، والمهاجرين الذين يعانون من ضائقة، والفئات المعرضة للخطر، مثل المقاتلين السابقين الذين يمكن توظيفهم لاستعادة المناطق المتدهورة.

ومن الناحية العملية، تتضمن المبادرة ثلاثة إجراءات رئيسية. أولا، خلق مليوني وظيفة خضراء للفئات الضعيفة والمعرضة للخطر اجتماعياً لاستعادة 10 ملايين هكتار من الأراضي المتدهورة بحلول عام 2020. وسيساعد ذلك على تحقيق هدف التنمية المستدامة رقم 8، بشأن العمل اللائق والنمو الاقتصادي، وفي الوقت نفسه تحقيق الهدف رقم 15 من أهداف التنمية المستدامة الذي يستهدف تحسين الحياة على الأرض. ثانياً، تعزيز نظم التأهب والإنذار المبكر للتنبؤ بالجفاف والكوارث الطبيعية الأخرى، مع بناء القدرة على الصمود ومنع التشرد على نطاق واسع بعد الجفاف. ثالثاً، توفير المزيد من فرص الحصول على الأراضي وحقوق الحيازة، لأن ملكية الأراضي تقوم بتعزيز الشعور بالانتماء إلى مجتمع ومكان معينين.

والخبر السار هو أن الالتزامات السياسية موجودة وبدأت تكتسب زخماً. لقد تعهد رؤساء الدول والحكومات في مؤتمر القمة الأفريقي الأول للعمل الذي تم عقده في تشرين الثاني/ نوفمبر 2016 بالتعجيل بتنفيذ المبادرة عن طريق تعبئة مواردهم الخاصة واجتذاب المانحين الثنائيين والمتعددي الأطراف فضلاً عن الجهات الفاعلة من غير الدول. وفي 27 أيار/ مايو 2017، اعترف بيان تاورمينا بالأمن والاستقرار والتنمية المستدامة في أفريقيا كأولويات عالية لقادة مجموعة السبعة. وبعد بضعة أسابيع في برلين، تم مناقشة أهمية مبادرة (3S) في إطار الشراكة الأفريقية لمجموعة العشرين التي تناولت أزمة الهجرة في أوروبا. وفي حزيران/ يونيو، عشية مؤتمر قمة دول الساحل الخمسة، تبنى رؤساء بوركينا فاسو ومالي والنيجر دعوة وأوغدوغو إلى العمل مع الالتزام بتنفيذ مبادرة (3S) لتعزيز العمل القائم على الأرض للفئات الضعيفة.

وتظهر اتجاهات مماثلة متعلقة بتدهور الأراضي والهجرة المتعثرة المرتبطة بالجفاف في جميع أنحاء آسيا وأمريكا اللاتينية، وإن كان ذلك على نطاق أصغر. ونتيجة للتصحر والجفاف، من المتوقع أن يصل عدد الأشخاص الذين يتعرضون لخطر الهجرة المتعثرة على الصعيد العالمي إلى 135 مليون شخص بحلول منتصف القرن.

إن سبل العيش لسكان الريف في جميع أنحاء العالم معرضة لخطر فقدان الأراضي المنتجة. ونتيجة لذلك، يغادر الناس منازلهم ومجتمعاتهم. ويلزم إيجاد حلول جريئة ومبتكرة لمعالجة هذه الأزمة في مختلف مناطق العالم. ومن المؤكد أنه ينبغي النظر في ذلك في المحافل الدولية المقترحة، مثل الاتفاق العالمي للأمم المتحدة بشأن الهجرة الآمنة والمنظمة والمنتظمة، والاتفاق العالمي للأمم المتحدة بشأن اللاجئين، وكذلك في المنتدى العالمي المعني بالهجرة والتنمية. إن الدورة الثالثة عشرة لمؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر، التي ستعقد من 6 إلى 16

أيلول/ سبتمبر 2017 في أوردوس، بالصين، من المتوقع أن تثير قضية إعادة تأهيل الأراضي كوسيلة لمعالجة تدفقات الهجرة ودعم إعادة إدماج المهاجرين.

أغاديز، النيجر، 2017

لإثبات إمكانيات اتباع نهج مستدامة وشاملة لخلق فرص عمل قائمة على الأرض وبناء مجتمعات محلية قادرة على الصمود، اتخذت مبادرة (3S) بالفعل خطوتها الأولى من خلال إنشاء موقع تجريبي في أغاديز. وفي هذا الموقع، سيتم تدريب المهاجرين العائدين إلى بلدانهم الأصلية على تقنيات استعادة الأراضي التي يمكنهم تطبيقها على العمل المستقبلي في الأرض. ومن خلال الاستثمار في إعادة تأهيل الأراضي مع ضمان الحصول على الحيازة والائتمان والتدريب على تنظيم المشاريع، سيعمل برنامج (3S) التجريبي على خلق فرص عمل جديدة للمهاجرين الذين تقطعت بهم السبل مع رفع مكانة العمال الزراعيين ودخولهم. وستمنح حزمة إعادة الإدماج للمهاجرين العائدين قطعة أرض تتمتع بحقوق و/ أو حيازة مضمونة بالنفاذ، وفقاً للمبادئ التوجيهية الطوعية لمنظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة، فضلاً عن الأدوات اللازمة لإعادة تأهيل الأرض و"مكافأة تحفيزية". وسيتم تقديم تعويض مالي لفترة محدودة، حتى تصبح الأرض منتجة مرة أخرى.

ولضمان إمكانيات توسيع الموقع التجريبي، ستوفر الحكومات الأفريقية الظروف المواتية لفرص العمل الجديدة وتحدد المواقع التي يمكن فيها ضمان حقوق الحيازة أو الوصول إلى الأراضي للفئات الضعيفة والمعرضة للخطر اجتماعياً. وسيشارك الشركاء الإنمائيون وغيرهم من أصحاب المصلحة في الاستثمار في البنية التحتية الريفية، وأدوات إصلاح الأراضي وتنمية المهارات في المواقع التي تعرف بأنها مناطق معرضة للهجرة والمناطق المعرضة للخطر اجتماعياً.

ومع وجود قوة عاملة سريعة التوسع، تكملها أسواق محلية سريعة النمو، وإمدادات غنية من الموارد الطبيعية وتنوع النظم الإيكولوجية، تتمتع أفريقيا بإمكانيات هائلة لتحقيق مسار إنمائي إيجابي وتلبية احتياجاتها الخاصة. غير أن هذا النمو والتنمية يعتمدان على قدرة القارة على استقرار المناطق "المعرضة للخطر"، وتوفير استجابة فعالة للأزمات المحتملة وإيجاد فرص لبداية جديدة في الحياة. وتعد مبادرة (3S)، التي تجمع العديد من الحكومات الأفريقية للبحث عن حلول إنمائية تعزز إدماج الفئات المهمشة والضعيفة من المجتمع، خطوة كبيرة في الاتجاه الصحيح.

وخلافاً لأي فرص عمل أخرى، يمكن أن تسهم الوظائف المعتمدة على الأرض مساهمة كبيرة في تحقيق الاستقرار في المجتمعات الريفية وتعزيز التنمية المحلية. وفي البلدان ذات معدلات التصحر المرتفعة والنمو السكاني المرتفع، يعتبر إصلاح الأراضي ضرورياً لزيادة مقدار الموارد المتاحة للتنمية الاقتصادية، بما في ذلك المياه والأراضي المنتجة.   
 

ملاحظات

1     برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية (موئل الأمم المتحدة)، حالة مدن العالم 2010/2011: سد الفجوة الحضرية (لندن، ستيرلينغ، فرجينيا، 2011)، ص 33، مقتبسة في مؤتمر الأمم المتحدة المعني بالإسكان والتنمية الحضرية المستدامة (الموئل الثالث)، "المستوطنات غير الرسمية"، صحيفة مسائل الموئل الثالث، العدد 22 (نيويورك، 2015)، ص 4.

2      S/PV.7272.

3    مركز رصد النزوح الداخلي والمجلس النرويجي لللاجئين "التقرير العالمي عن النزوح الداخلي (GRID 2016)" (جنيف، 2016)، ص 52.متوفر على الرابط التالي: http://www.internal-displacement.org/assets/publications/2016/2016-globa....

4     كاترينا نيت/Katrina Nett، و لوكاس روتنجر/Lukas Rüttinger، "التمرد والإرهاب والجريمة المنظمة في مناخ الاحترار: تحليل الروابط بين تغير المناخ والجماعات المسلحة غير التابعة للدولة "، تقرير (برلين، أديلفي، 2016)، الصفحات 20-24.

5     منظمة العمل الدولية، العمالة الدولية والنظرة المجتمعية: اتجاهات الشباب 2016 (جنيف 2016)، ص 12.