الحوكمة البحرية العالمية وإدارة المحيطات من أجل تحقيق الهدف رقم 14 من أهداف التنمية المستدامة

 قارب صيد.
 

بقلم : مارجو فيروس
 

ازدادت الأنشطة البشرية على مر العقود زيادة هائلة في محيطات العالم وكذلك بالقرب من تلك المحيطات، مما أسفر عن عواقب سلبية خطيرة على حالة بيئتنا البحرية. ويشهد العلماء تغيراً أكبر وأسرع، مع تدهور صحة المحيطات بوتيرةٍ أسرع مما كان متوقعاً في السابق. ونحن نعيش اليوم في عصر يتغير فيه المناخ، وليس هناك أي جزء من المحيط لم يطله التأثير البشري. وتتأثر بعض المناطق، ولا سيما تلك الواقعة بالقرب من المراكز السكانية الكبيرة، بضغوط متعددة. وهناك العديد من التهديدات التي تواجه المحيطات، وهي تشمل ممارسات الصيد غير المستدامة والمدمرة؛ والصيد غير المشروع وغير المبلغ عنه؛ والتلوث الناجم عن المصادر البرية والمصادر القائمة على السفن؛ وتدمير الموائل؛ وإدخال الأنواع الغازية؛ وضوضاء المحيطات؛ وضربات السفن (اصطدامات بين الحيتانيات والسفن)؛ وتعدين المعادن؛ واستخراج النفط والغاز.
  وتعمل الآثار الضارة الناجمة عن هذه الأنشطة بصورة تراكمية مع آثار تحمض المحيطات، واحترار المحيطات، وتيارات التحول، وخفض الاختلاط، وانخفاض مستويات الأكسجين. وفي حين أنَّ النظم الإيكولوجية والأنواع البحرية قد تكون قادرة على الصمود في وجه نوع واحد من الآثار أو شدة التأثير الخاصة بها، فإنها تتأثر أكثر بكثير عندما يكون هناك مزيج من الآثار المجتمعة.

وغالباً ما يكون التأثير الكلي أكبر من مجموع أجزائه. إن تدهور صحة المحيطات له عواقب وخيمة على الناس وسبل عيشهم واقتصاداتهم بأسرها، حيث أنَّ المجتمعات الأشد فقراً التي تعتمد على موارد المحيطات غالباً ما تكون الأكثر تضرراً.

كما أنَّ الضغوط البشرية المتعددة التي تؤثر على المحيطات لها تأثيراً حقيقياً على كيفية تنفيذ الحوكمة الفعالة. إن إدارة المناطق البحرية والساحلية في العديد من البلدان وفي المياه الدولية هي في المقام الأول عملية قطاعية، حيث تقوم وكالات مصائد الأسماك بتنظيم مصائد الأسماك؛ والوكالات البيئية المعنية بمنع التلوث؛ والوكالات المتخصصة الأخرى التي تنظم النقل البحري والتعدين واستخراج النفط والغاز. كما أنَّ استراتيجيات وسياسات التنوع البيولوجي والبيئة، ومصايد الأسماك، وتغير المناخ، والحد من الفقر، كثيراً ما تقوم بوضعها وتنفيذها مجموعة متنوعة من الوكالات. وهنا تكمن المشكلة. ولا يمكن إدارة الآثار التراكمية بشكل منعزل. وتدعو عوامل الإجهاد المتعددة إلى وجود الإدارة المتكاملة، مما يعني أننا بحاجة عاجلة إلى وضع نهج أكثر شمولية لإدارة المحيطات. ولن تكون الإدارة القطاعية القديمة كافية للتصدي للتدهور المتزايد للمحيطات. وقد تم تحديد الحاجة إلى فهم وإدارة التفاعلات والآثار التراكمية للضغوط المتعددة باعتبارها واحدة من أهم الأسئلة في البيئة البحرية اليوم.

ومما يزيد الأمور تعقيداً هو أنَّ البيئة البحرية تعتبر عموماً "ملكية عامة"، بل إنَّ المناطق الواقعة خارج حدود الولاية الوطنية يشار إليها باسم المشاعات العالمية. فأنظمة الحيازة البحرية العرفية التي توجد، على سبيل المثال، في كثير من بلدان جنوب المحيط الهادئ واليابان، تشكل استثناء من طبيعة معظم مناطق المحيطات التي تتمتع بالوصول المفتوح. وهذا النقص في الملكية يمكن أن يؤدي إلى "مأساة المشاعات"، وكثيراً ما يسود موقف "بعيداً عن الأنظار، بعيداً عن الفكر"، مما يؤدي إلى تدهور التنوع البيولوجي في مناطق المحيطات. ومن ثَمَّ، فإنَّ أحد العناصر الهامة للمضي قدماً في إدارة المحيطات يتمثل في تفهم كلٍ من صانعي القرار وعامة الجمهور بأنَّ البشرية جمعاء تعتمد على المحيطات لبقائها، وبالتالي فالجميع أصحاب مصلحة في المحيطات.

ومن منظور الحوكمة، فإن المناطق البحرية الواقعة خارج نطاق الولاية الوطنية (ABNJ) تمثل تحديات خاصة. وحتى إذا كانت الحاجة إلى اتباع نُهُج متكاملة ومتماسكة للتصدي للتهديدات المتعددة للمحيطات مفهومة جيداً، فلا توجد دولة أو منظمة أو أي مؤسسة أخرى تتحمل المسؤولية الإدارية الشاملة عن المناطق البحرية الواقعة خارج نطاق الولاية الوطنية، واللوائح التنظيمية والترتيبات المؤسسية الحالية، باستثناء اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS)، فهي قطاعية بطبيعتها. وبالتالي فإنَّ القرار الذي اتخذته الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارها 69/292 بإنشاء لجنة تحضيرية لتزويد الجمعية بتوصيات بشأن عناصر مشروع نص صك دولي ملزم قانوناً بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار بشأن حفظ التنوع البيولوجي البحري واستخدامه المستدام في المناطق البحرية الواقعة خارج نطاق الولاية الوطنية، يمثل فرصة لتحسين إدارة المحيطات إلى حدٍ كبيرٍ.

وفي حين أنَّ هناك اتفاقاً عاماً في السياسة الدولية على ضرورة اتباع نهج النظام الإيكولوجي لتحسين إدارة المحيطات، فإن تطبيقه في الممارسة لا يزال محدوداً. ويرجع ذلك إلى حدٍ كبيرٍ إلى الصعوبات العملية الكبيرة في التنفيذ، بما في ذلك توافر المعلومات المناسبة والافتقار إلى الأدوات التحليلية والعلمية لدعم العملية. وقد يرجع ذلك جزئياً إلى الفهم المحدود لما يشكل بالضبط نهج النظام الإيكولوجي، بما في ذلك أحكامه المتعلقة بالمشاركة الواسعة لجميع أصحاب المصلحة. وتوجد العديد من نُهُج النظام الإيكولوجي المختلفة وتشمل النُهُج التي تستخدمها اتفاقية التنوع البيولوجي ومنظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة، وتتوافق تلك النهج مع بعضها البعض بدرجة كبيرة. ومن الناحية العملية، تشمل بعض نُهُج النظم الإيكولوجية الأكثر تطبيقاً على نطاق واسع الإدارة المتكاملة للمناطق الساحلية، التي يشار إليها أحياناً بالإدارة المتكاملة للمواقع الساحلية، والإدارة المتكاملة للموارد المائية، التي يَتم التعبير عنها أحياناً بإدارة أحواض الأنهار. وعلى الرغم من أنها لا تُسمى رسمياُ بـ "نُهُج النظام الإيكولوجي"، فإنها تعتنق استخدام نظام كامل أو متكامل كطبقة أساسية لجميع عمليات التخطيط والإدارة. علاوة على ذلك، فإنَّ العديد من نظم إدارة السكان الأصليين تجسد نظرة شمولية للصلات بين جميع الكائنات الحية وبيئتها، وهي بالتالي تعبير عن نهج النظام الإيكولوجي.

ويمكن استخدام العديد من الأدوات والاستراتيجيات لتطبيق نُهُج النظام الإيكولوجي في إدارة الأنشطة البشرية في المحيطات والمناطق الساحلية. ويشمل ذلك تصنيف المناطق البيولوجية، والنظم المتماسكة للمناطق البحرية المحمية أو المدارة، وتقسيم المناطق البحرية وإدارة مصايد الأسماك. ويضمن تقييم الأثر البيئي والتقييم البيئي الاستراتيجي أنَّ الأنشطة المقترحة لا تسبب تدهوراً بيئياً لا مبرر له. وبصفة عامة، لا يزال هناك تحدٍ رئيسي يتمثل في إدماج مختلف النهج الإدارية التي تتبعها القطاعات في خطة شاملة ومتماسكة مع النظام الإيكولوجي كإطار مركزي. ويعد التخطيط المكاني البحري (MSP) أحد النهج التي يمكن أن تساعد البلدان على الاضطلاع بهذه المهمة، وهي يكتسب شعبية كبيرة. ويوفر التخطيط المكاني البحري طريقة لإدماج الأنشطة البشرية دون المساس بقيم الحفظ. وعلى غرار الإدارة المتكاملة للمناطق الساحلية، فإنه ينص على تفعيل نهج النظام الإيكولوجي من خلال عملية تخطيط تشمل جميع أصحاب المصلحة. من خلال التخطيط المكاني البحري، يمكن لأصحاب المصلحة طرح رؤيتهم لمنطقة ما. تحديد الأنشطة البشرية (بما في ذلك الأنشطة البحرية، والشحن، وصيد الأسماك، وتربية الأحياء المائية، والسياحة، والتعدين وغيرها من الأنشطة) التي تحدث حالياً وحيثما يكون من المرغوب أن تجري في المستقبل؛ وتحديد الصراعات الفعلية أو المحتملة بين مختلف الاستخدامات المتصلة بالمحيطات، فضلاً عن الأنشطة البشرية والنتائج المرجوة في مجال الحفظ. ويمكن للخطة المكانية الناتجة أن توفر استخداماً مستداماً، وأن تحافظ أيضاً على مناطق محددة من خلال المناطق البحرية المحمية (MPAs) وغيرها من التدابير المناسبة بطريقة تتجنب الصراعات المحتملة.

وعند تطبيق هذه النُهُج، من المهم أن نضع في اعتبارنا أنَّ المحيطات مترابطة من خلال حركة كتل المياه، وهجرة الأنواع، وتشتت اليرقات. وفي حين أنَّ المناطق الاقتصادية الخالصة للبلدان هي كيانات منفصلة قانونياً عن المناطق البحرية الواقعة خارج نطاق الولاية الوطنية، فإنها متصلة بيئياً وبيولوجياً. وبالتالي، فإن تطبيق الحوكمة في سياق نهج النظام الإيكولوجي سيحتاج أيضاً إلى أن يأخذ في الاعتبار النظم الإيكولوجية والأنواع التي تعبر الحدود السياسية. ولن يفيد هذا النهج موارد مصائد الأسماك والأنواع المهاجرة فحسب، بل سيعود بالفائدة أيضاً على المجتمعات الساحلية، ولا سيما في البلدان النامية، التي تتمتع فيها هذه الأنواع والأنظمة الإيكولوجية بأهمية اقتصادية واجتماعية وثقافية.

إنَّ أية حلول تسعى إلى تحسين إدارة المحيط المترابط تحتاج إلى عنصرين: (1) سيحتاج إلى دعم النظم الساحلية الصالحة للإدارة التي تقوم بها بالفعل المجتمعات المحلية، والتي قد تشمل نظم الإدارة البحرية التقليدية للشعوب الأصلية والمجتمعات المحلية القائمة كلياً أو جزئياً على المعارف التقليدية، و (2) سيحتاج إلى توفير الحماية والإدارة المحسنة للأنواع الهامة اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً وموائلها في المناطق الواقعة خارج نطاق الولاية الوطنية من خلال معالجة التهديدات  الفردية والتراكمية واستخدام أدوات مثل الوقاية من المصيد العرضي والإدارة الفعالة لمصايد الأسماك، وتجنب ضربات السفن، فضلاً عن التقنيات الجديدة الدينامية للمحميات البحرية وغيرها من الإدارة القائمة على المناطق.

وهناك أيضاً العديد من الدروس التي يمكن استخلاصها من الإدارة الساحلية والجهود التي تبذلها المجتمعات الساحلية التي يمكن نقلها ويمكن أن تفيد إدارة الأنشطة البشرية في النظم الإيكولوجية للمحيطات في كل مكان. وهي تشمل وضع آليات لتحقيق التنسيق والتعاون الفعالين بين المؤسسات القطاعية ومستويات الحكومة؛ وبناء الثقة وتيسير مشاركة أصحاب المصلحة بطريقة تضمن سماع صوت الجميع، حتى أصوات أولئك الذين لا يشاركون عموماً في عمليات الإدارة؛ وإدماج أفضل العلوم المتاحة، بما في ذلك المعارف التقليدية، في الإدارة، لا سيما في الحالات التي يكون العلم فيها مبتسراً. وتشمل هذه الدروس أيضاً طرقاً تتقاسم فيها التكاليف والمنافع المتعلقة بالحفظ والإدارة على نحو منصف، بحيث لا تتحمل المجتمعات الساحلية أعباء غير متناسبة عندما  يتم ، على سبيل المثال، إنشاء محمية بحرية.

ويوفر الهدف رقم 14 من أهداف التنمية المستدامة، بمجموعته الشاملة من الأهداف، فرصة لجعل إدارة المحيطات في طليعة الحوار العالمي بشأن التنمية المستدامة. وهي ليست فرصة لتبادل غني للأفكار فحسب، وإنما أيضاً للجمع بين أصحاب المصلحة في المحيطات والاتفاق على خريطة طريق جديدة لتحسين إدارة المحيطات يمكن أن تفيد النظم الإيكولوجية فضلاً عن الناس وسبل معيشتهم. ولتحقيق ذلك، يلزم وجود شعور جديد بمسؤولية إدارة المحيطات، يدعمه تطبيق نهج إيكولوجي شامل ومتكامل لإدارة جميع الأنشطة البشرية التي تؤثر على المحيطات.