من القانون الدولي إلى المجتمعات المحلية: دور الأمم المتحدة في تعزيز حقوق الإنسان

قصر الأمم وقت الغسق، جنيف، سويسرا. ©UN Photo/Violaine Martin

يمكن أن تكون عبارة "خمسون عاماً من النجاح" عنواناً للذكرى السنوية لتصديق الجمعية العامة للأمم المتحدة فيعام 1966 على العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. لقد كانت حقوق الإنسان هي المحرك الأبرز للتغيير في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، ولا سيما منذ انتهاء الحرب الباردة في عام 1989. سأتناول بالتوضيح في هذه المقالة أثر هذين العهدين على السعي إلى تعزيز حقوق الإنسان في جميع أنحاء العالم، وتوضيح الطريق للسعي قدماً في وقت يواجه فيه نظام حقوق الإنسان أخطر التحديات.

لقد أحرز العالم تقدماً في العديد من المجالات التي تم تناولها في العهدين، مما يوفر مزيداً من حماية الحقوق اليوم. منذ خمسين عاماً، كان التعذيب بمثابة جزءاً طبيعياً من تحقيقات الشرطة، ورغم أنه لا يزال واسع الانتشار إلا أنه يُستخدم بوتيرة أقل. والأهم من ذلك أن جميع الجهات الفاعلة، والتي تشمل الشرطة ومدعي العموم والقضاة والمدعى عليهم والمواطنين، يعرفون الآن أن التعذيب خطأ وانتهاك لحقوق الإنسان. وعلاوة على ذلك، وبفضل العهدين الدوليين، فإن الوعي وإدراك التمييز، وبخاصة التمييز العنصري، أصبح أعمق من ذي قبل. وأخيراً، فقد أصبح من المفهوم عموماً اليوم أن لجميع الأطفال الحق في التعليم الابتدائي. وقد أسهم حظر التعذيب والتمييز، والحق في التعليم، في خلق عالم أكثر إنسانية. ويمكن أن يقال ذلك أيضاً على معظم الحقوق المنصوص عليها في العهدين.

لقد وضع العهدان، إلى جانب صكوك حقوق الإنسان الأخرى، لغة مشتركة يمكن استخدامها على الصعيدين العالمي والمحلي، على جميع مستويات الحكم. وقد أتاحت تلك اللغة إجراء مناقشات لطالما كانت عسيرة بشأن عقوبة الإعدام والرق والمساواة بين الجنسين. فبدون القدرة على التحدث بصراحة عن هذه القضايا، لن تحدث أية تغييرات. كما أن هذين العهدين، وغيرهما من صكوك حقوق الإنسان، قد أسسا إطاراً قانونياً لفقهاء القانون الدوليين والمحامين لوضع مجموعة جديدة من القوانين تطبق اليوم على جميع القارات. وحتى أوائل التسعينات، كان من الممكن معرفة جميع جوانب قانون حقوق الإنسان، بينما اليوم سيكون من حسن الحظ أن نتقن تماماً جميع جوانب مجرد أحد الحقوق المنصوص عليها في العهدين.

لعبت هيئات الأمم المتحدة الخاصة بمعاهدات حقوق الإنسان، دوراً فاعلاً في هذا التطور، وبخاصة لجنة حقوق الإنسان ولجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وكان لعملها تأثيراً مباشراً في جميع أنحاء العالم، مما أدى إلى تغييرات في القوانين والسياسات والممارسات الوطنية، فضلاً عن تقديم تعويضات للضحايا الأفراد. تشارك جميع الدول في معاهدة واحدة على الأقل من المعاهدات الدولية الأساسية لحقوق الإنسان، بينما تشارك أكثر من 75% من الدول في أربع معاهدات أو أكثر، بما في ذلك العهدين.

وتتيح هيئات معاهدات حقوق الإنسان إمكانية فريدة لإجراء حوار بناء بين الدول الأطراف في الاتفاقيات، وخبراء اللجان فيما يتعلق بالمسائل الصعبة المتعلقة بالتحديات التي تواجه حقوق الإنسان في الدول. غالباً ما تكون الدول الأطراف عازفة عن الاعتراف بأنها لا تلتزم بتعهداتها. وتشير التجربة إلى أن التوصيات المقدمة من هيئات المعاهدات يتم النظر فيها والتعامل معها خلال عملية وضع السياسات اليومية على الصعيد الوطني.

يمثل فحص هيئات المعاهدات أيضاً منبراً للتواصل بشكل غير رسمي بين الجهات الفاعلة في المجتمع المدني، والدول، والخبراء. وكثيراً ما أسفر هذا المثلث عن طرق جديدة للمضي قدماً، ومزيد من إشراك المجتمع المدني في أعمال الأمم المتحدة. ومن المؤسف أن النتائج ليست دائماً بناءة، وكثيراً ما يعاني شركاء المجتمع المدني الذين مثلوا أمام الأمم المتحدة من عواقب وخيمة. وعند عودتهم إلى أوطانهم، يتعرضون أحياناً للمضايقة أو السجن أو التوقيف. ومثل هذا النوع من الانتقام، يتعين التصدي له بحزم، لأنه يضعف الطرق المتفق عليها للعمل في الأمم المتحدة، ويقوض محاولات مناقشة الحقائق بشكل علني على أرض الواقع.

كانت لجنة حقوق الإنسان هي اللاعب الرئيسي لسنوات عديدة في تطوير التشريعات القانونية العالمية لحقوق الإنسان. ومنذ أواخر الستينات إلى عام 1990، كانت المؤسسات الرئيسية التي تضع القانون الدولي لحقوق الإنسان هي: لجنة حقوق الإنسان، ومحكمة البلدان الأمريكية لحقوق الإنسان، والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان. وكانت هذه الهيئة التشريعية القانونية أساساً لتطوير قانون حقوق الإنسان، الذي جرى في السنوات الـ 25 الماضية. وكانت محاكم إقليمية أخرى، مثل محكمة العدل الأوروبية واللجنة الأفريقية شبه القضائية لحقوق الإنسان والشعوب، قد أضافت أبعاداً جديدة. ومع ذلك، فقد حدثت أهم التطورات على الصعيد الوطني، حيث تطبق المحاكم الوطنية حول العالم القانون الدستوري والدولي لحقوق الإنسان إلى حد أكبر بكثير من ذي قبل. إن الترويج لقانون حقوق الإنسان في الأطر القانونية الوطنية، أسهم في إثراء التشريعات القانونية لحقوق الإنسان.

وينبغي أيضاً، في هذا الصدد، ذكر المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان (NHRI). وفي حين أنه لم يكن هناك في عام 1990 سوى خمس مؤسسات وطنية فقط لحقوق الإنسان، وعدد قليل من الهيئات المعنية بالمساواة حول العالم، فإنه يوجد اليوم أكثر من 100 مؤسسة وطنية لحقوق الإنسان، والعديد من الهيئات المتخصصة المعنية بالمساواة، ناهيك عن مؤسسات ديوان المظالم المعنية بالأطفال ووكالات حماية البيانات، فضلاً عن العديد من المؤسسات الأخرى. ونظراً لما لديها من كفاءات شبه قضائية، فإن هذه الجهات الفاعلة تلعب، في كثير من الأحيان، دوراً هاماً على الصعيد الوطني في تنفيذ المعاهدات الدولية والإقليمية. وقد يسرت خبراتها توفير فهماً أعمق وجودة أعلى لثوابت حقوق الإنسان.

ولكن ماذا حل بهيئات معاهدات حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، والتي تعمل ككيانات قضائية تتناول البلاغات الفردية؟ بسبب احتكارها تقريباً لتفسير القانون الدولي لحقوق الإنسان، فإنها تواجه الآن عدداً كبيراً من المحاكم والآليات الوطنية شبه القضائية، وآمال كبيرة من الدول الأطراف، ومن مقدمي البلاغات، ومن العامة. إن ما تم عمله خلال السنوات الـ 25 الأولى، عندما كانت هيئات المعاهدات هي الشاغل الوحيد على الساحة، قد لا يكون كافياً اليوم. فلا تزال هناك حاجة إلى إسهامها في تطوير القانون الدولي لحقوق الإنسان، ولكن من المتوقع تحقيق قدر أكبر من التماسك والجودة. ويمكن تصحيح ذلك عن طريق توحيد طريقة التعامل مع البلاغات الفردية، وإدخال إجراءات قانونية أقوى، وتحقيق مستوى أعلى من المهنية. ويمكن الاستفادة من الخبرات القيمة من مختلف أطر العمل الإقليمية، مثل النظم الأفريقية والأوروبية ونظم البلدان الأمريكية.

لقد أدى ظهور الاستعراض الدوري الشامل (UPR) الذي أنشأته الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 2006 بالتزامن مع مجلس حقوق الإنسان، إلى تغيير المشهد المؤسسي بشكل ملموس. ويعتمد هذا الإجراء إلى حد كبير على عمل هيئات المعاهدات وآليات الرصد الأخرى، فضلاً عن المعلومات الواردة من مصادر أخرى. وسرعان ما أصبح الاستعراض الدوري الشامل مراجعة هامة بواسطة الأقران لأداء الدولة في مجال حقوق الإنسان. وكثيراً ما تعد الدول نفسها جيداً لإجراء الاستعراض، ويمكن أن تصحح المسائل التي سبق أن أثارتها هيئات المعاهدات أو الإجراءات الخاصة. أنشأت دول عديدة آليات لضمان تنفيذ التوصيات الواردة في إجراء الاستعراض الدوري الشامل. وفي معظم البلدان، تتمتع الآلية بقدر أكبر من الوضوح مقارنة بهيئات المعاهدات، على الرغم من الطبيعة الأكثر سطحية للفحص.

مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان (OHCHR) هي مفتاح جلب جميع الأبعاد المختلفة لجدول أعمال الأمم المتحدة لحقوق الإنسان سوياً. وقد أصبح جميع المفوضين الساميين السبعة، الذين عملوا منذ عام 1994، شخصيات معروفة دولياً وأصوات هامة، تسلط الضوء على الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. ورغم أنهم غالباً ما يكونوا في ظروف صعبة للغاية، إلا أنهم يتصرفون بطريقة مستقلة كمنارة عالمية لحقوق الإنسان. وفي الوقت نفسه، تولوا قيادة مناقشات هامة في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة. وقد خدمت المفوضية هيئات المعاهدات والإجراءات الخاصة، وأدت مهام عديدة أخرى. إن العمل كمنصة للمناقشات الصعبة والعمليات الهامة، هو أحد المهام التي أنجزها المكتب بمهارة كبيرة. وبفضل التسهيلات الذي تضطلع بها المفوضية السامية لحقوق الإنسان، تطورت المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان بسرعة في التسعينات في جميع القارات. وارتفع عدد المؤسسات من 5 إلى 100 مؤسسة في غضون 10 إلى 15 سنة. وفي الوقت نفسه، حصلت هذه المؤسسات على وضعية محددة داخل الأمم المتحدة، حيث أخلت بالدور الحصري للدول والمنظمات غير الحكومية (NGO) بوصفها الجهات الفاعلة الوحيدة في النظام. كان هذا التطور هو المحرك العالمي في مجال تعزيز حقوق الإنسان، ويقوم المكتب بدور رئيسي في هذه العملية.

كما كانت المفوضية طرفاً فاعلاً في العمل الميداني. في بعض الأحيان كان هناك عدم ثقة فيما يتعلق بأماكن التركيز— في جنيف أم في المجتمعات المحلية. وفي حين أنه لا يمكن لأي منظمة أخرى أن تضطلع بالمهام التي يؤديها المكتب في جنيف، فإن الأمر ليس كذلك فيما يتعلق ببناء القدرات في العمل الميداني. ومن نواح كثيرة، تكون المنظمات الإنمائية المتخصصة، مثل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، مجهزة بشكل أفضل للقيام بالعمل في الميدان عند توسيع نطاق معرفتها بحقوق الإنسان. وقد ثبت أن من المستحيل تقريباً الاضطلاع بالمهمة المزدوجة المتمثلة في بناء القدرات والرصد. وفي الدول التي تواجه تحديات خطيرة فيما يتعلق بحقوق الإنسان، من المستحيل الحصول على الثقة اللازمة التي هي شرط أساسي للعمل مع السلطات الرئيسية، مثل وزارات العدل والشرطة والنظم القضائية، وفي الوقت نفسه إصدار تقارير دقيقة عن أداء هذه المؤسسات.

وفي الميدان، يجري العمل الأكثر إقناعاً على الصعيد الإقليمي، ويتم تقديم المشورة والتدريب إلى هيئات الأمم المتحدة الأخرى والمنظمات غير الحكومية (NGO) والمسؤولين الحكوميين. ومن الموقع الإقليمي، يمكن القيام بالرصد عن بعد من خلال التفاعل اليومي. وبهذه القدرة، تؤدي المفوضية دوراً رئيسياً في التحقق من أن المعرفة المتعلقة بالتطورات القانونية والسياسية المبنية على العهدين، لن تظل مقصورة على الزخم القائم في جنيف، ولكنها تصل إلى الأشخاص الذين يعملون على خط المواجهة.

واليوم، هناك عدد لا يحصى من المنظمات الأخرى على الصعيدين الإقليمي والدولي تقوم بعمل هام جداً يتصل بالعديد من جوانب حقوق الإنسان، بما في ذلك الحق في الصحة (منظمة الصحة العالمية)، والحق في التعليم (صندوق الأمم المتحدة للطفولة)، والحق في الغذاء (منظمة الأغذية والزراعة)، وسيادة القانون والمحاكمة العادلة من جانب هيئة المحلفين (صندوق النقد الدولي (IMF) والبنك الدولي)، وغيرها. قد لا يكون لدى تلك المنظمات نهجاً قائماً على الحقوق في عملها، ولكنها غالباً ما تستلهم أعمالها إلى حد كبير من القرارات والتوصيات الصادرة عن آلية حقوق الإنسان استناداً إلى العهدين الدوليين. ومع ذلك، فإن شروط صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في مجال حقوق الإنسان، وإن لم تكن قوية ومركزة على النحو الذي ترغب فيه دوائر حقوق الإنسان، إلا أنه كان لها أثر في العديد من الدول. وقد أدت لتوليد الشرارة لتغييرات هامة في سيادة القانون، وأوجدت بيئة من الانفتاح، مما أتاح للجهات الفاعلة في المجتمع المدني إثارة القضايا المثيرة للقلق.

وعلى مدى 50 عاماً، أثبت العهدان أهميتهما في تعزيز حماية حقوق الإنسان حول العالم. ومستوى الحماية اليوم لا يقارن بما كان عليه في عام 1996. إلا أن الانتكاسات لا تزال تحدث في مجالات كثيرة، مثل مستوى مشاركة المجتمع المدني في عملية تعزيز ثوابت ومعايير حقوق الإنسان، وحرية التعبير، وحماية الأقليات، وسيادة القانون، وغير ذلك من المسائل. وبهذا، فإن النظام الذي كان يمثل أهمية كبيرة في تعزيز حماية حقوق الإنسان على مدى 50 عاماً، أصبح يحتاج إلى التكيّف من أجل مواجهة التحديات الراهنة. وفي هذا الصدد، فإنه من المهم المشاركة في جهود الحوار، وتعزيز هذا الحوار، وكذلك التعاون بين مختلف المنظمات. ويتعين على المؤسسات القديمة، بما فيها هيئات معاهدات حقوق الإنسان، أن تعدل عملها في ضوء العديد من الجهات الفاعلة الجديدة التي تحتاج بدورها إلى ضمان أن تستند تدخلاتها إلى معرفة عميقة بالعناصر القانونية والواقعية للقضايا المطروحة. ويلزم إشراك جميع هياكل الحكم، بما فيها البلديات. وبهذه الطريقة وحدها، يمكن للثوابت الدولية لحقوق الإنسان أن تستمر في توفير مساحة مفتوحة للحوار بشأن القضايا الصعبة، وأن توفر حماية حقيقية لكل أفراد الشعب.