حماية حقوق الإنسان بموجب القانون الدولي العام

اجتماع لمجلس حقوق الإنسان في جنيف، سويسرا، تموز/ يوليو 2016. ©UN Photo/Jean-Marc Ferré

تأسست الأمم المتحدة في أعقاب الحرب العالمية الثانية، لتقوم في المقام الأول بدورها كحارس للسلم والأمن في العالم. ومنذ البداية، كانت الأطراف المؤسسة على دراية بالصلة الوثيقة بين السلام وحقوق الإنسان: حيث لا يمكن للبشر التمتع التام بكامل بحقوقهم إلا في ظل أوضاع سلمية. ولا ينبغي أبداً أن تطارد الأعمال الوحشية الجماعية الشعوب مرة أخرى؛ كما أنه لا ينبغي أبداً أن تصبح الشعوب ضحايا مرة أخرى لسياسات الإبادة الجماعية التي دمرت المجتمعات في جميع أنحاء أوروبا.

وبناء عليه، فإن ميثاق الأمم المتحدة، في مقدمته الاستهلالية، يوضح أن أحد أهداف المنظمة العالمية هو "إعادة التأكيد على الإيمان بحقوق الإنسان الأساسية، وبكرامة الإنسان وقيمته، وبالمساواة في الحقوق بين الرجل والمرأة، وبين الأمم الكبيرة والصغيرة ". وأدرجت أحكام أخرى في نص الميثاق نفسه. وتنص المادة 1(3) على أن الأمم المتحدة سيكون من مهامها "تعزيز وتشجيع احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للجميع دون تمييز بسبب العرق أو الجنس أو اللغة أو الدين".

وفي المؤتمر التأسيسي في سان فرانسيسكو، ثبت أنه من المستحيل، بسبب ضيق الوقت، أن يتم إلحاق كتيب مكتوب لحقوق الإنسان بالميثاق. غير أنه تم اتخاذ قرار بإنشاء هذا الكتيب فور دخول الميثاق حيز التنفيذ، عن طريق الهيئة المتخصصة ذات الصلة، وهي لجنة حقوق الإنسان.

وبعد سنوات قليلة فقط من الأعمال التحضيرية في تلك اللجنة، أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة في 10 كانون الأول/ ديسمبر، 1948، الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (UDHR) "كمعيار مشترك للإنجاز لجميع الشعوب وجميع الأمم". ولم يتم هذا التصديق بالإجماع. وقد امتنعت ثماني دول عن التصويت، وهي الدول الاشتراكية القائمة حينئذ إلى جانب المملكة العربية السعودية وجنوب أفريقيا، ولكن لم يتم تسجيل تصويت سلبي واحد.

وقد مهد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (UDHR) الطريق لمواصلة تطوير فكرة حقوق الإنسان. ولأول مرة في تاريخ البشرية، تم وضع قائمة بالحقوق الأساسية للإنسان، التي كان من المقرر أن تفيد كل شخص، على أساس طبيعته كإنسان فقط، دون أي تفريق أو تمييز. وكان قد تم تقييد الإقرارات السابقة لحقوق الإنسان، بما في ذلك الإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان والمواطن (1789)، وشرعة الحقوق الأمريكية (1789/1791)، بطرق متعددة. ولم تتمتع المرأة بنفس الحقوق التي يتمتع بها الرجل؛ كما كان الرق مشروعاً؛ وفي كثير من البلدان، يلعب معيار الثروة الشخصية دوراً حاسماً في تحديد من يتمتع بممارسة الحقوق والامتيازات. وبالإضافة إلى ذلك، عاش الناس في الدول المستعمرة في حالة منهجية للتمييز. وهكذا، أصبح الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (UDHR) البيان الأساسي لمفهوم جديد لحقوق الإنسان في العالم. وباعتباره قرار من قرارات الجمعية العامة، فإنه لم يسبق له أن يضاهي مستوى مجموعة ملزمة من القواعد، ولكنه كان مصدراً للإلهام، مما أثار ليس فقط عملية لصياغة القوانين داخل الأمم المتحدة، بل كان يعمل أيضا كنموذج للدساتير الوطنية في جميع أنحاء العالم.

كان أول إنجاز على مستوى القانون الدولي الملزم هو التصديق على الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري في عام 1965. وبعد ذلك بعام، اعتمدت الجمعية العامة بتوافق الآراء العهدين الدوليين الشاملين المتعلقين بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (ICESCR)، والحقوق المدنية والسياسية (ICCPR). وحتى الآن، انضمت أغلبية ساحقة من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة إلى هذين العهدين - 164 دولة طرفاً في حالة العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، و168 دولة في حالة العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. ويشكل الإعلان العالمي والعهدان معا ما يعرف بـ "الشرعة الدولية لحقوق الإنسان". واعتمدت الجمعية العامة في عام 1979 صكاً آخر يهدف إلى مكافحة التمييز، وهو اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة.

وقد اتسم ميثاق الأمم المتحدة في بدايته بغموض معين. وعلى الرغم من أن أهوال القتل الجماعي في أوروبا كانت القوة الدافعة لإدراج حقوق الإنسان في أنظمتها، فإن الميثاق لا يزال غير محدد بشأن سبل ووسائل التنفيذ الفعلي على مستوى القواعد الشعبية. وتوجه المادة 68 المجلس الاقتصادي والاجتماعي لإنشاء لجنة "لتعزيز حقوق الإنسان"، غير أن المادة 2(7) تلزم الأمم المتحدة بعدم التدخل في المسائل "التي تدخل بالضرورة في التشريعات الوطنية لأي دولة". وعلى مدى أكثر من عقد من الزمان، فإن الرأي السائد، الذي تؤيده بقوة مجموعة الدول الاشتراكية، يعتقد أن الممارسة الفعلية لتعزيز حقوق الإنسان وحمايتها يرتبط بالفعل بالمسائل التي تخضع بالضرورة للتشريعات الوطنية. وبعد التصديق على العهدين الدوليين في عام 1966، فقد هذا الرأي وجاهته تماماً.

ومن ثم بدأت الجمعية العامة ولجنة حقوق الإنسان تدريجياً النظر في مسألة حقوق الإنسان في الدول التي قدمت ضدها شكاوى لدى الأمم المتحدة. وفي البداية، كانت جدران السرية تحيط بالتفاصيل الإجرائية ذات الصلة. إلا أنه من منتصف السبعينات، توقفت هذه السرية.

وتعلن الجمعية العامة الآن عن شواغلها صراحة إزاء الدول التي تورطت في أشكال متواصلة من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. وقد عزز قراران من قرارات الأمم المتحدة المنظمة إلى حد كبير. ففي عام 2005، أعلنت الجمعية مبدأ "المسؤولية عن الحماية"، والمعروف أيضا بالمختصر "RtoP" (قرار الجمعية 60/1). ووفقاً لهذا المبدأ، تتحمل كل دولة مسؤولية "حماية سكانها من الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والتطهير العرقي والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية". وهذا لم يكن بالضرورة أمراً جديداً، لأن هذه المسؤولية تنبع مباشرة من الاعتراف الفعلي بحقوق الإنسان الأساسية بوصفها مبادئ أساسية للنظام القانوني الدولي. إلا أن العنصر الجديد في مبدأ المسؤولية عن الحماية هو التأكيد على أنه إذا لم تمتثل دولة ما لتلك المسؤولية، يجوز لمجلس الأمن أن يستخدم سلطاته بموجب الفصل السابع من الميثاق لحماية السكان المتضررين. وفي حالة ليبيا في عام 2011، استفاد مجلس الأمن للمرة الأولى من هذه المهمة باعتماد القرار 1973 (2011)، الذي أدى إلى توسيع هام لمفهوم السلام والأمن الدوليين، وتفسير معيار "الدولية" على أنها تشمل انتهاكات فظيعة للنظام القانوني الدولي في مجال حقوق الإنسان.

وقد أدى إنشاء مجلس حقوق الإنسان (HRC) في عام 2006 إلى زيادة قدرة المجتمع الدولي على الاستقصاء بدرجة كبيرة. ويضطلع مجلس حقوق الإنسان، المؤلف من 47 دولة عضواً في الأمم المتحدة، بعقد ثلاث جلسات دورية كل سنة، كما يجوز له أن يعقد دورة استثنائية حسب الحاجة. وقد أصبح الأداة الرئيسية لتفعيل الرأي القائل بأن حقوق الإنسان هي في جوهرها مسألة ذات أهمية دولية. ومن بين الإجراءات التي اعتمدها مجلس حقوق الإنسان، فإن الاستعراض الدوري الشامل (UPR) هو الأكثر فعالية. وقد اتفقت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة على إجراء استعراض شامل لممارساتها في مجال حقوق الإنسان، وهو عبارة عن خضوع الدولة للمراجعة بواسطة الدول الأقران. ويبدأ الفحص في دورة مدتها أربع سنوات. وبقدر ما تظل الدولة بعيدة عن المعاهدات الأساسية لحقوق الإنسان، يستخدم الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (UDHR) كوسيلة محددة للقياس. وتجري المرحلة النهائية للاستعراض الدوري الشامل في اجتماع مدته ثلاث ساعات، ومن الواضح أنه لا يسمح بأي استجواب مطول ولكنه يسمح بلفت النظر لأوجه القصور الأساسية في جلسة علنية. وفي نهاية العملية، تعلن الدولة قيد المراجعة ما ستقوم بتنفيذه وما ستقوم برفضه من التوصيات الكثيرة المطروحة. وهكذا، فإن للدولة نفسها الكلمة الأخيرة، حيث يمتنع المجلس عن صياغة رأي جماعي. وتتمثل الميزة الرئيسية للاستعراض الدوري الشامل في أنه يقترب من الحقائق دون أي تحفظات أو احتياطات دبلوماسية.

وإلى حد ما، فإن الاستعراض الدوري الشامل يلقي بظلاله على عمل هيئات الخبراء التي أنشئت بشكل منفصل لكل واحدة من معاهدات حقوق الإنسان الكبرى. ومن المنطقي أن لجنة حقوق الإنسان، التي ترصد الالتزام بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، قد قامت بدور قيادي في أن جميع "الحقوق السلبية" الكلاسيكية تقع ضمن تشريعاتها القضائية. وبناء على ذلك، فإن اللجنة تتمتع بأوسع مجال للخبرة، وبالتالي يطلب منها تلقائياً صياغة القواعد العامة التي تنطبق على جميع هذه الحقوق.

يوجد لدى معظم هيئات الخبراء ثلاثة أنواع من الاختصاصات. فمن ناحية، كل دولة طرف في معاهدة دولية لحقوق الإنسان، وضعت تحت رعاية الأمم المتحدة، ملزمة بأن تقدم على فترات منتظمة تقريراً عن أنشطتها المتعلقة بإعمال الحقوق المنصوص عليها في المعاهدة المعنية. وتناقش هذه التقارير عادة بحضور وفد من البلد الخاضعة للاستعراض. في البداية، كان أساس الإجراء هو التبادل العام للفرضيات دون أي استنتاج رسمي. ومنذ التغيير الكبير الذي طرأ على النظام الدولي في عام 1990، تحولت جميع هيئات الخبراء إلى إبداء آرائها بشأن حالة حقوق الإنسان في البلد المعني بطريقة صريحة ومفتوحة، وعدم التخلي حتى عن طرح البيانات الشديدة بالنيابة عن السكان المعنيين، عندما يكون ذلك مطلوب.

وتنص بعض معاهدات حقوق الإنسان على إجراءات لتقديم الشكاوى. ويجوز للأشخاص الطبيعيين أن يتعاملوا مع هيئات الخبراء عن طريق البلاغات الفردية، ويمكن أن تكون للدول الأطراف سلطة تقديم البلاغات فيما بين الدول. وبموجب بروتوكول اختياري للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، فإن سبل معالجة الاتصالات الفردية قد حققت دوراً هاماً. وقد أصبحت لجنة حقوق الإنسان بالفعل بمثابة محكمة لحقوق الإنسان على الصعيد العالمي، وكذلك اجتهاداتها القضائية، التي تتألف من آراء غير ملزمة، يشار إليها أيضاً من جانب المحاكم الإقليمية لحقوق الإنسان. وما زال إجراء تقديم الشكاوى فيما بين الدول أقل نجاحاً حتى الآن، لأنه، وبصفة عامة، تتحاشى الحكومات اتخاذ إجراءات رسمية ضد أحد شركائها ذوي السيادة.

وتتسم سياسات الأمم المتحدة في مجال حقوق الإنسان بمبدأين رئيسيين. فالحوار مع الدول يعتبر قوة للإقناع بالتغيير. إلا أنه وفقاً لمبدأ التبعية، يجب ترك العمل على أرض الواقع لسلطات الدولة. ولم تضطلع مؤسسات الأمم المتحدة إلا ببعض المهام المحددة. وهكذا، فإن مفوض الأمم المتحدة السامي لشؤون اللاجئين يعتني بأزمة الفارين من الصراعات المسلحة أو الاضطهاد أو الكوارث الطبيعية في بلدانهم الأصلية، وهي مهمة لا تستطيع الدول بمفردها الاضطلاع بها. وبطريقة مماثلة، يسعى برنامج الأغذية العالمي إلى توفير الغذاء والمأوى للأشخاص الذين يعيشون في أوضاع يائسة.

وآخر مؤسسات الأمم المتحدة التي يتعين ذكرها فيما يتعلق بحماية حقوق الإنسان هي مجلس الأمن الدولي. فعلى الرغم من أنه لم يكن من المزمع في البداية أن يكون ضامناً لهذه الحقوق، إلا أن مفهوم مبدأ المسؤولية عن الحماية
"RtoP"، أكد سلطته للتدخل في الحالات التي يعاني فيها سكان بلد ما من اعتداءات شديدة على كرامتهم وحقوقهم، أو يتعرضون لخطر شديد من قبيل هذه الانتهاكات. وبموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، يتمتع مجلس الأمن الدولي بسلطات بعيدة المدى لاتخاذ الإجراءات التصحيحية اللازمة. ومن المؤسف أن حق النقض الذي تتمتع به الدول ذات المقاعد الدائمة في المجلس، كثيراً ما يمنع تلك الهيئة من اتخاذ مثل هذا الإجراء.