المسؤولية عن الحماية

أطلال قلعة تدمر الإسلامية في الجمهورية العربية السورية، أحد مواقع التراث العالمي، 2010. تضررت المواقع الأثرية أو تم تدميرها في جميع أنحاء سوريا من قبل تنظيم الدولة الإسلامية، وتم قتل أعداد كبيرة من المدنيين في الصراع في ذلك البلد. ©Wikipedia/Bernard Gagnon

مقدمة

في مؤتمر القمة العالمي لعام 2005، أقر جميع رؤساء الدول والحكومات بمسؤولية حماية السكان من الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والتطهير العرقي والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية. تستند المسؤولية عن الحماية (المشار إليها عادة بالمختصر "RtoP") إلى ثلاث ركائز متساوية: مسؤولية كل دولة عن حماية سكانها (الركيزة الأولى)؛ ومسؤولية المجتمع الدولي عن مساعدة الدول في حماية سكانها (الركيزة الثانية)؛ ومسؤولية المجتمع الدولي عن الحماية عندما تفشل الدولة بوضوح في حماية سكانها (الركيزة الثالثة). إن اعتماد المبدأ في عام 2005 يشكل التزاماً رسمياً، ويتضمن توقعات كبيرة لمستقبل خالٍ من هذه الجرائم.

وبالنظر إلى النطاق الحالي للأزمات وكثافتها في جميع أنحاء العالم، يشعر الكثيرون بأنهم مضطرون إلى القول بأن المسؤولية عن الحماية قد فشلت. وفي ذات الوقت، فإن التقدم الهام في تطوير المبدأ، وكذلك في تصميم التدابير العملية من أجل التنفيذ الكامل لهذا المبدأ، يمنح صورة أكثر تفاؤلاً. ويتطلب تحديد الخطوات التالية في تنفيذ المسؤولية عن الحماية أخذ كلا العاملين في الحسبان.

تحديات

مما لا شك فيه أنَّه على الرغم من التقدم المُحرز، فإننا ما زلنا بعيدين عن الهدف المتوخى في عام 2005. إن التطورات المثيرة للقلق العميق في السنوات القليلة الماضية تهدد بتوسيع الفجوة بين الالتزام الذي أعرب عنه رؤساء الدول والحكومات والواقع اليومي الذي يواجهه السكان في جميع أنحاء العالم.

وهناك مجموعة من الأوضاع اليوم حيث يتعرض السكان فيها لخطر جرائم المسؤولية عن الحماية، أو حيث يتواصل ارتكاب تلك الجرائم. وتقع هذه الأزمات على خلفية تراجع النزعة الدولية، وانحسار احترام القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان، والانقسام السياسي في هيئات صنع القرار الرئيسية مثل مجلس الأمن الدولي، وتوفر مستوٍ من الانهزامية بشأن تعزيز جداول أعمال طموحة مثل الحماية.

لقد شهدنا تجاهلاً مزعجاً للمبادئ الأساسية للقانون الدولي. وفي العديد من الصراعات المسلحة التي أشعلت في السنوات الأخيرة، فإن أطراف النزاع   تقوم بانتهاك القانون الدولي الإنساني عمداً؛ حيث إننا نشهد هجمات واسعة النطاق وصارخة على المواقع المدنية المحمية، مثل المستشفيات والمدارس، فضلاً عن الأشخاص المحميين، بما في ذلك العاملين في المجال الإنساني والعاملين في مجال الرعاية الصحية.

إن محاصرة المجتمعات المدنية في سوريا، وحرمانها من الإغاثة الإنسانية، تثير القلق بشكل خاص، لأنها تسبب معاناة لا يمكن تصورها. وفي عصرنا الحديث، لا ينبغي أن يواجه المدنيون في مناطق الصراع خطر المجاعة أو الموت بسبب الحاجة إلى المساعدة الطبية الأساسية. كما يستمر استهداف الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان بأعداد مقلقة.

ومن الحقائق المثيرة للقلق أنَّه على الرغم من ظهور الجماعات المسلحة الوحشية غير الحكومية، فإنَّ أخطر الانتهاكات للقانون الإنساني الدولي وقانون حقوق الإنسان، التي يمكن أن ترقى إلى مستوى الجرائم الفظيعة،
لا تزال تقوم بارتكابها القوات المسلحة التابعة للدول والميليشيات المساعدة لها. وبالمثل، فإن الحكومات تفشل في محاسبة مرتكبي الجرائم الفظيعة على ما اقترفوه من أفعال. وعلى الصعيد الدولي، هناك بعض الدول الأطراف في نظام روما الأساسي، الذي أنشئت بموجبه المحكمة الجنائية الدولية، التي لا تتعاون مع المحكمة فحسب، بل أيضاً لا تتخذ خطوات للانسحاب من النظام الأساسي لتفادي التحقيق في الجرائم الفظيعة ومقاضاة مرتكبيها. ويعارض مجلس الأمن بصورة متزايدة إحالة الحالات إلى المحكمة، ومن الواضح أنَّ بعض الزعماء السياسيين يسعون بوضوح إلى   الحصول على الحصانة من المساءلة القانونية.

فرص

إن أي تقييم صادق يتطلب منا مواجهة الواقع القاتم الموصوف أعلاه. وفي الوقت نفسه، يجب أن نضع بعين الاعتبار أيضاً العناصر الأخرى التي تشير إلى اتجاه إيجابي. لقد تم تحقيق الكثير منذ عام 2005.

أولاً، يتضح من انخراطنا مع الدول الأعضاء، ومن الحوارات غير الرسمية السنوية التي تجري في الجمعية العامة بشأن المسؤولية عن الحماية، أن هناك توافق في الآراء بشأن العديد من العناصر الأساسية لهذا المبدأ. وهناك اتفاق على أن الوقاية تقع في صميم المسؤولية عن الحماية؛ وأن الجهود الرامية إلى مساعدة الدول من أجل الوفاء بمسؤولياتها في مجال الحماية ينبغي أن تحترم مبدأ الملكية الوطنية؛ وأن أي إجراء دولي جماعي ينبغي أن يستخدم مجموعة كاملة من التدابير الدبلوماسية والسياسية والإنسانية؛ وأنَّ القوة العسكرية ينبغي ألا تعتبر إلا الملاذ الأخير.

ثانياً، أنَّ جميع الهيئات الحكومية الدولية الرئيسية التابعة للأمم المتحدة قد ناقشت المسؤولية عن الحماية وأشارت إليها، وأصدرت في بعض الحالات قرارات مواضيعية ومحددة لبلدان بعينها تتعلق بالمبدأ. وقد أشار مجلس الأمن الدولي إلى المسؤولية عن الحماية في أكثر من 50 قراراً وبياناً رئاسياً. وأشار مجلس حقوق الإنسان إلى هذا المبدأ في عدد من القرارات، وآخرها قرار 30 أيلول/ سبتمبر، 2016، بشأن العدالة الانتقالية1. وعلاوة على ذلك، فإنَّ وثيقة إطار تحليل الجرائم الفظيعة التي وضعها مكتب المستشارين الخاصين المعنيين بمنع الإبادة الجماعية والمسؤولية عن الحماية قد تم إصدارها كوثيقة رسمية من وثائق الأمم المتحدة2، وتم نشرها واستخدامها داخل المنظمة وخارجها على حد سواء، وللمساعدة في مهام الإنذار المبكر والتحرك المبكر.

ثالثاً، شهدنا على مدى العقد الماضي تطور شبكات إقليمية وعالمية من مراكز التنسيق بشأن مسؤولية الحماية ومنع الإبادة الجماعية والجرائم الفظيعة، وهو ما يمكن أن يدعم تطوير الهيكل الوطني والإقليمي اللازم لتنفيذ هذا المبدأ وتشجيع تبادل الممارسات والخبرات الجيدة. وتوجد في كل من نيويورك وجنيف مجموعات إقليمية من أصدقاء المسؤولية عن الحماية، تضم أكثر من 50 عضواً. وهناك أيضاً مبادرات هامة جارية لزيادة الوعي بين المشرعين والبرلمانيين بشأن المسؤولية عن الحماية. ويمثل ذلك عملاً حاسماً يجب دعمه.

الخطوات التالية

لابد من مواصلة التقدم المحرز بالطبع، ويلزم ذلك بذل مزيد من الجهود للتغلب على نقاط الخلاف. وعلى الجانب المفاهيمي، على سبيل المثال، طلبت الدول الأعضاء مزيداً من الإيضاح بشأن أسس اتخاذ إجراء جماعي في إطار الركيزة الثالثة من المسؤولية عن الحماية، ولا سيما بالنظر في إجازة مجلس الأمن لاستخدام القوة العسكرية عندما تفشل الدول بوضوح في حماية سكانها.

وعلى الرغم من أنَّ الدول الأعضاء قد أكدت مراراً وتكراراً دعمها لمنع الجرائم الفظيعة، فإنَّ ذلك لم يُترجم بشكلٍ كافٍ إلى دعم ملموس للاستراتيجيات الوقائية. ويتطلب ذلك إجراء تقييمات صادقة لأوجه الضعف الوطنية. وقد أصرت الأمم المتحدة دائماً على أنَّه لا يمكن لأية دولة أو منطقة أن تعتبر نفسها محصنة ضد خطر الجرائم الفظيعة، وأن تبدأ جميع الدول بالتركيز على مسؤولياتها المبينة في الركيزة الأولى. ويجب أن يبدأ منع الجرائم الفظيعة من الداخل. ويتطلب التنفيذ المستدام أن تعمل مختلف فروع الحكومة، جنباً إلى جنب مع المجتمع المدني والجهات الفاعلة في القطاع الخاص، لوضع سياسات محددة وثقافة قوية للوقاية. وعلى الصعيد الداخلي، يجب على كل مجتمع النظر في عوامل الخطر الخاصة به ومصادر القدرة على الصمود، والاستجابة بالطرق المصممة خصيصاً لتتناسب مع كل سياق. ويمكن استخدام العمليات القائمة، مثل الاستعراض الدوري الشامل لمجلس حقوق الإنسان، لتشجيع الدول على تقييم المخاطر الفظيعة الأطول أجلاً وتحديد التدابير الكفيلة بتخفيفها. ويتطلب ذلك بطبيعة الحال، نقل المسؤولية عن الحماية إلى ما وراء الدوائر الدبلوماسية في نيويورك وجنيف والمراكز الإقليمية، نحو آليات صنع السياسات الوطنية. ستواصل الأمم المتحدة دعم جميع الجهود الرامية إلى تعزيز القدرة على الصمود في وجه الجرائم الفظيعة عن طريق اتخاذ إجراءات وقائية. لقد أعلن الأمين العام الجديد التزاماً واضحاً بوضع الوقاية في صميم جدول أعماله.

بيد أن العقبة الرئيسية لا تزال تتمثل في المصالح السياسية القوية من جانب الدول الكبرى التي تعمل على مكافحة العمل المبكر لمعالجة الحالات التي يتعرض فيها السكان للخطر. وكان هذا هو الحال بشكل واضح مع الأزمة التي اندلعت في سوريا خلال صيف عام 2011، واستمرت تلك الدول في عرقلة اتخاذ إجراءات حاسمة حيث أنَّ الحرب الأهلية أظهرت حالات أكثر تكراراً ووحشية من الجرائم الفظيعة. لقد رأينا أنها تعمل في الآونة الأخيرة في حالات أخرى، بما في ذلك اليمن.

ونحن بحاجة إلى إيجاد سبل لتوسيع القاعدة السياسية داخل مجلس الأمن من أجل اتخاذ إجراءات جماعية "حسنة التوقيت وحاسمة". ومن بين المواضع التي ينبغي البدء فيها، السعي إلى التزام أعضاء المجلس بأنهم لن يمنعوا أي إجراء يرمي إلى التصدي لخطر الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والتطهير العرقي والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية. وهناك مبادرات محددة قائمة في الوقت الراهن تسعى إلى الحصول على هذا الالتزام، وأنا أؤيدها تأييداً تاماً. وعلينا أيضاً أن نتعلم كيفية منع الفظائع في حالة غياب الوحدة في المجلس.

وفي بعض الأحيان، يفتح الانسداد على المستوى السياسي العالمي فرصاً أمام جهات فاعلة أخرى، ولا سيما على الصعيد الوطني ودون الإقليمي والإقليمي، للأخذ بزمام المبادرة. وكان هذا صحيحاً بالتأكيد في حالة الجهود الضخمة والمنسقة لتقديم المساعدة الإنسانية للسوريين من جانب الأمم المتحدة والدول الأعضاء والجهات الفاعلة في المجتمع المدني والتي تعمل سوياً.

خاتمة

لقد أظهر لنا العقد الماضي أنَّ العمل الجماعي والمنسق يمكن أن يُحدث فرقاً. ويجب أن تستمر الفترة التالية لتنفيذ المسؤولية عن الحماية في البناء على التقدم الملموس الذي تم إحرازه - وأن تستوعب الدروس المستخلصة من الجهود السابقة للحماية. إن مضاعفة التزامنا الجماعي سوف تكفل استمرار المبدأ في إلهام وتحفيز العمل، وتوفير حماية أكثر فعالية لجميع السكان.

 

ملاحظات

1    A/HRC/RES/33/19

2    A/70/741–S/2016/71