الدور المتطور للأمم المتحدة في تأمين حقوق الإنسان

اللاجئون الأوزبكيون النازحون بسبب العنف في قيرغيزستان يصطفون من أجل الحصول على المياه في حزيران/ يونيو، 2010. ©UN Photo/EPA

من وجهة نظر القرن الحادي والعشرين، من السهل أحيانا أن ننسى مدى ثورية مفهوم حقوق الإنسان. قليلون من أولئك الذين شهدوا اعتماد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في عام 1948 كان يمكنهم أن يتصورا تأثيره على مدى العقود السبعة الماضية. فالقانون الدولي لم يعد يحكم العلاقات بين الدول فحسب. بل بالأحرى، إن معاملة الأفراد من جانب الدول أصبحت مسألة تتعلق بالقانون الدولي وتقع في نطاق اهتمامه. اليوم، يتكلم الناس الذين تعرضوا للإيذاء أو الذين تم إسكاتهم على المستوى الوطني بانتظام في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، أو يقدمون شكاوى بشأن انتهاكات معاهدات حقوق الإنسان إلى لجان الخبراء.1وتضخم أصوات من لا صوت لهم الآن على الصعيد الدولي.

ولكن ذلك ليس كافياً. أما بالنسبة لضحايا الانتهاكات الذين استطاعوا الحصول على دعم من منظمة غير حكومية أو الحصول على خدمات محامٍ مكرس لحقوق الإنسان، لا يكفي أن يتمكنوا من أن يعلنوا قضيتهم في قاعة مؤتمرات في جنيف. كم عدد الضحايا الآخرين الذين لا يدركون حتى حقهم في مناشدة القانون الدولي أو الاقتراب من آلياته؟ يجب علينا أن نهدف إلى منع حدوث مثل هذه الانتهاكات، وليس مجرد التصدي لها بعد وقوع الحادث الذي غالباً ما يلحق أضراراً لا يمكن إصلاحها. في الواقع أنه ليس من المتوقع الحصول على تعويض مالي ولكن إمكانية منع الآخرين من التعرض لنفس الضرر غالباً ما تكون أكبر دافع للضحايا الذين يقدمون قضايا ضد الدول التي انتهكت حقوقهم. وفي قانون حقوق الإنسان، يشمل التعويض الحقيقي ضمانات بعدم التكرار، مما ينطوي على تغيير منهجي. إن حقوق الإنسان عالمية، ولكن كتابة قانون حقوق الإنسان لا يحدث في فراغ. وفي حين تضمن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان جميع الحقوق، فإن الانقسام إلى عهدين دوليين قانونيين، أحدهما يتعلق بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والآخر يتعلق بالحقوق المدنية والسياسية، اللذين تم اعتمادهما في عام 1966، إنما يعكس الانقسامات السياسية بين الدول. وفي سياق الحرب الباردة، أصدرت الجمعية العامة تعليمات صريحة إلى لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان السابقة بفصل حقوق الإنسان في الفئتين المشمولتين بالعهدين. وداخل اللجنة، ركزت دول ما يسمى بـ "مجموعة أوروبا الغربية ودول أخرى" تعليقاتها على الحقوق المدنية والسياسية، في حين ركزت الدول الشيوعية على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

وبعد أن تعرضت أعمال لجنة حقوق الإنسان للعرقلة والتعجيز بواسطة المناقشات المُسيسة، تم استبدالها فيعام 2006 بهيكل جديد متمثل في مجلس حقوق الإنسان. وأدى ذلك إلى زيادة التدقيق الدولي في سجلات الدول المتعلقة بحقوق الإنسان ونقلها إلى آفاق جديدة. وقد استكمل الاستعراض الدوري الشامل الذي أجراه المجلس دورتين الآن، مما يعني أنَّ كل دولة في العالم قد خضعت لمراجعة مُفصلة لمركزها في مجال حقوق الإنسان من قِبَل أقرانها، ووافقت على توصيات بتحسينها، والتي غالباً ما تكون دقيقة للغاية. وهذه هي الآلية الوحيدة لحقوق الإنسان التي تمكنت من تحقيق مشاركة عالمية حقاً - وإن تحقيق ذلك لم يكن أبداً بالأمر الهين.

لكي نشاهد البث الشبكي المباشر لدورة الاستعراض الدوري الشامل، مع وفد رفيع المستوى يرد على استفسارات دقيقة وشاملة بشأن الجوانب الجنسانية لنظم الحماية الاجتماعية، وظروف السجون، ومعاملة المهاجرين، وإمكانية الوصول إلى العدالة، أو تأثير العمليات التجارية على حقوق الإنسان في بلد ما، لابد لنا أن نفهم أن العالم قد تغير. لكن توصيات الاستعراض الدوري الشامل تنبع من الدول وهي ليست بديلاً عن الصرامة القانونية للعهدين، أو استقلال الخبراء الذين يعملون في اللجان التي ترصد تنفيذ العهدين والمعاهدات الأخرى.

وربما يكون ذلك أفضل مثال على ذلك. في عام 2011، وتنفيذاً لقرار اتخذته اللجنة المعنية بحقوق الإنسان، وهي اللجنة التي ترصد العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وافقت الأرجنتين على دفع تعويضات ومعاش تقاعدي شهري، وقدمت منحة دراسية لفتاة من السكان الأصليين تعرضت للاغتصاب وتم التمييز ضدها من قبل السلطات في وقت لاحق على أساس الجنس والعرق.2 واتساقاً مع التزاماتها، اتخذت الدولة أيضاً إجراءات لضمان عدم التكرار، حيث قدمت تدريبا إلزاميا للموظفين القضائيين في مقاطعة تشاكو لمنع التمييز الجنساني والعنف ضد المرأة. وتبين هذه الحالة المأساوية قوة الآليات الدولية لحقوق الإنسان: فعندما لا يمكن تحقيق العدالة على الصعيد الوطني، يمكن للقانون الدولي لحقوق الإنسان أن يوفر خط الدفاع الأخير للضحايا العُزل. ومن خلال الوقوف مع الضحايا والدخول في حوارات بناءة مع الدول، يمكن أن تقدم لجان الخبراء المشورة بشأن الإجراءات الوقائية اللازمة لضمان عدم تكرار الانتهاكات.

وقد أوضحت لجان الخبراء أيضاً معنى القانون الدولي، مما أدى إلى مزيد من الحماية والتركيز الدوليين. وفيعام 2002، اعتمدت اللجنة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ما يسمى بـ "التعليق العام"، وهو يحدد نطاق الحق في المياه ضمن الإطار الدولي لحقوق الإنسان. وقد شكل ذلك تقدماً هاماً، حيث أنَّ هذا الحق لم يرد ذكره تحديداً في المعاهدة، ولكنه أمر ورد ضمنياً بوضوح في المواد التي تحمي الحق في الصحة والمستوى المعيشي الملائم. ونتيجة لاعتماد التعليق العام رقم 15، أنشأ مجلس حقوق الإنسان الخبير المستقل الأول المعني بمسألة التزامات حقوق الإنسان المتصلة بالحصول على مياه الشرب المأمونة وخدمات الصرف الصحي، مما أدى بدوره إلى اعتراف الجمعية العامة بحقوق الإنسان في الحصول على المياه والصرف الصحي. وفي وقت الحق، شهد عام 2015 اعتماد أهداف التنمية المستدامة، التي يلزم هدفها السادس المجتمع الدولي بضمان توافر المياه والصرف الصحي للجميع وإدارتها على نحو مستدام.

إن قواعد البيانات ونظم الملفات في مكتبي تفيض بأمثلة مماثلة. فقوانين حقوق الإنسان ليست مجرد نتائج جافة من المفاوضات السياسية، بل إنها أدوات حية يمكن أن يستخدمها الأفراد للوصول إلى العدالة التي حرموا منها على الصعيد الوطني، أو تقوم بتفسيرها لجان الخبراء في القرن الحادي والعشرين لضمان عدم تخلف أحد عنها. إن توصيات اللجان أو الاستعراض الدوري الشامل أو الخبراء المستقلين المعينين من قبل مجلس حقوق الإنسان يتم استخدامها بعد ذلك في جهود المناصرة التي تقوم بها منظمات المجتمع المدني في جميع أنحاء العالم لإحداث التغيير على أصعدة المجتمع المحلي والوطني والقطري. ويشكل هذا التعاون العملي على أرض الواقع الجوهر الحقيقي لعمل حقوق الإنسان. ورغم أنَّ قدرة الفرد على الوصول إلى بعض هذه الآليات الدولية قد تعتمد على التصديق على معاهدة، فإنَّ حقوق الإنسان ليست هبة من الدول، بل هي متأصلة في كرامة كل فرد منا، ويتم تمكينها على نحو حقيقي.

إن التقدم المحرز في تعزيز حقوق الإنسان وحمايتها على مدى السنوات الخمسين الماضية كان هائلاً وملهماً ومتواضعاً للغاية. وقد شهدت العقود الخمسة الماضية تبني قرارات واتفاقيات مخصصة لمجموعات كانت في السابق لا صوت لها على الصعيد الدولي— الأقليات العرقية، والنساء، والأطفال، والعمال المهاجرين، والأشخاص ذوي الإعاقة، وضحايا لأسوأ انتهاكات لحقوق الإنسان، والتي تشمل التعذيب والاختفاء القسري. وخلال هذه الفترة، ركز العمل في ميدان حقوق الإنسان بصورة متزايدة على الوقاية ومشاركة الممارسات الجيدة، من إصلاح الشرطة ومراقبة المعتقلات إلى التعليم الشامل. وقد تم اقتراح فيض من المبادئ التوجيهية وتطبيقها، مما أدى إلى تغيير الحياة. إننا كثيراً ما نسمع عن الفشل في حماية حقوق الإنسان، ولكن كم عدد الأشخاص الذين تحولت حياتهم بتطبيق هذه المعايير، وكم عدد الانتهاكات التي تم منعها؟

وفي حين أن التقدم كان مذهلاً، يجب ألا نعتبره أمراً مفروغاً منه، ولا يمكن أن نكون راضين عن التفكير في أنه لا يمكن التراجع عنه. إن مجلس حقوق الإنسان يزداد انقساماً. وبما أنَّ الإجماع الدولي القائم يتم تحديه في قضايا حقوق الإنسان الأساسية مثل حق اللاجئين الفارين من الفظائع في التماس اللجوء، كما يهيمن الشعبيون والدهماء على الخطابات الوطنية، وفي بعض الحالات المثيرة للقلق، يصلون إلى السلطة، فإن الحوار البناء في المجلس بشأن إيجاد حلول للمشاكل المشتركة غالباً ما يتم استبداله بإعادة توزيع للمواقف السياسية.

وربما تعكس هذه الانقسامات في المحافل المتعددة الأطراف حقيقة أننا نادراً ما انقسمنا بصورة أكثر من ذلك، مع مصادر إخبارية منسقة تعزز آراءنا بدلاً من تحديها، وتعمق أوجه عدم المساواة داخل الدول وفيما بينها، بما يعزز انفصالنا على نحو فعال. إن هذا الانقسام هو ذاتي الاستدامة. وقد أظهرت سنوات من البحث بشكل واضح أنَّ الأطفال الذين لا يلتقون أبداً بشخص ما من خلفية مختلفة، من المرجح أن يترعرعوا ويصبحوا بالغين متحيزين. والبالغين الذين يعيشون في مجتمعات منفصلة عرقياً أو اقتصادياً أو سياسياً، فمن غير المحتمل أن يروا تحيزاتهم عرضة للتحدي. وخلافاً للحكمة المستقاة، تظهر الأبحاث الأكاديمية أن المجتمعات المتنوعة، في الواقع، أقل احتمالاً للتعرض للصراع. وهذا الأمر لا ينبغي أن يفاجئنا. بعد كل ذلك، لا يمكن لمعظم المصابين برهاب الإسلام أن يسموا ركناً واحداً من أركان الإسلام - ونحن نميل إلى الخوف مما لا نعرفه أو لا نفهمه، وليس مما نراه يومياً، والقوالب النمطية ببساطة لا يمكنها النجاة عند تعرضها للواقع.

إذن، أين نتجه من هنا؟ عندما يشعر المهمشون بمزيد من التمثيل في أحضان الدهماء أكثر مما هو عليه في خطاب حقوق الإنسان الذي قيل لهم إنه يفيد فقط المتطرفين والسجناء، فكيف نعود من حافة الهاوية؟ إننا نقف في لحظة حاسمة. إن النزعات المتناقضة تجذبنا في اتجاهات متعاكسة، ونحن جميعاً ملزمون باتخاذ موقف. ينبغي اعتبار الذكرى السنوية الخمسين لاعتماد العهدين دعوة للعمل لحماية المبادئ التي يكرسانها. وتحقيقاً لهذه الغاية، أطلق مكتبي في 10 كانون الأول / ديسمبر، 2016 - يوم حقوق الإنسان - حملة "قمّ اليوم ودافع عن حقّ إنسان" لإعادة حقوق الإنسان إلى القاعدة الشعبية حيث بدأت، وحيث لا تزال قوتها الكبرى تكمن.

إننا نواجه تحديات كبيرة، ولكن علينا أن نتذكر أنَّ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهدين اللذين استند إليهما لم يطورا في ظل يوتوبيا مثالية، وإنما كرد فعل جماعي على واحدة من أعظم الفظائع التي ارتكبتها البشرية. وعلينا أن نستمر سوياً في بناء سرد بديل للتضامن وحقوق الإنسان يتناقض مع رسالة الانقسام والكراهية التي يطرحها الدهماء. إن معاهدات حقوق الإنسان تزودنا بالأدوات اللازمة للقيام بذلك. إن كفالة تنفيذ العهدين على أرض الواقع، بعيداً عن قاعات الاجتماعات في جنيف، يتطلب منا جميعاً الوقوف مع من يخاطرون بالتعرض للتحرش أو التمييز. لقد كان التاريخ يميل نحو مزيد من الاندماج وتحقيق العدالة للجميع، ومن خلال الاستمرار في الوقوف سوياً من أجل حقوق الإنسان، ومن حقنا أن نضمن عدم عكس هذا الاتجاه.

 

 ملاحظات

1 إنَّ هذه اللجان، التي تُعرَف مجتمعة باسم "هيئات المعاهدات"، هي مُكَلَّفَة برصد تنفيذ المعاهدات الدولية الأساسية لحقوق الإنسان، والبروتوكولات الاختيارية لتلك المعاهدات، حيثما ينطبق ذلك. وتتضمن اللجنة المعنية بحقوق الإنسان، واللجنة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ولجنة القضاء على التمييز العنصري، واللجنة المعنية بالقضاء على التمييز ضد المرأة، ولجنة مناهضة التعذيب، ولجنة حقوق الطفل، واللجنة المعنية بالعمال المهاجرين، واللجنة المعنية بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، واللجنة المعنية بحالات الاختفاء القسري، واللجنة الفرعية لمنع التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.

2 LNP v Argentina, Merits, UN Doc CCPR/C/102/D/1610/2007, IHRL 251 (UNHRC 2011)، 18 تموز/ يوليو، 2011، لجنة حقوق الإنسان. [UNHRC].