الموئل الثالث هو مؤتمر الأمم المتحدة للمواطنين

بلازا غراندي في كيتو، إكوادور، 2015 ​                                                                       Jess Kraft / Shutterstock.com©
 

        يعيش أكثر من نصف سكان العالم اليوم في المدن. ومن المتوقع أن يتضاعف عدد سكان المدن تقريباً بحلول عام 2050، مما يجعل التحضر أحد المحركات الرئيسية للتحوُّل في القرن الحادي والعشرين. وعلى الرغم من أن المدن قد شهدت تحولات هائلة أدت إلى نمو اقتصادي وازدهار لم يسبق لهما مثيل، نحن بحاجة إلى إعادة التفكير في الطريقة التي نعيش بها في المدن ونديرها لضمان مستقبل مستدام للجميع.

         ومع أن التحضر قد يسهم في التحديات العالمية، فالمدن تمتلك إمكانات لا حصر لها لتحقيق الابتكارات اللازمة لمعالجة الكثير من هذه التحديات أو عكس مسارها. ولدى المدن القدرة الأقوى على أن تكون بمثابة عوامل مساعدة على إحداث تغيير إيجابي، وانتشال الملايين من براثن الفقر، وتمهيد السبيل لتحقيق المساواة الاجتماعية، ووقف موجة تغير المناخ.

         وفي السعي إلى تحقيق هذه الإمكانات وتلك القدرات - خلال حقبة أصبح التحضر المستدام فيها أمرا ملحا - تتضح الحاجة إلى نموذج حضري جديد. والخطة الحضرية الجديدة، باعتبارها خطة عملية المنحى ترمي إلى التصدي بفعالية للتحديات الشائكة التي يطرحها التحضر، ستكون محور تركيز المناقشات في مؤتمر الأمم المتحدة المعني بالإسكان والتنمية الحضرية المستدامة (الموئل الثالث)، الذي سيعقد في الفترة من 17 إلى 20 تشرين الأول/أكتوبر 2016 في كيتو، إكوادور.

                 الموئل الثالث باعتباره معلما بارزا في التنمية المستدامة

         استنادا إلى الفكرة القائلة إن المعركة لتحقيق التنمية المستدامة ستكون إما رابحة أم خاسرة في المدن، على النحو المبين في الوثيقة الختامية لمؤتمر الأمم المتحدة للتنمية المستدامة لعام 2012 المعنون ”المستقبل الذي نصبو إليه“، ثمة في الواقع اعتراف على الصعيد العالمي بما ينطوي عليه التحضر المحكم التخطيط من قوة مفضية إلى التغيير فيما يتعلق بالتنمية. ولم يكن من الممكن أن يأتي السعي إلى تنفيذ الخطة الحضرية الجديدة في وقت أفضل من هذا الوقت، ليس فقط بسبب الدور الذي تؤديه هذه الخطة في الوفاء بأهداف خطة الأمم المتحدة التنمية للمستدامة لعام 2030، وأهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، واتفاق باريس بشأن تغير المناخ، إنما كذلك بسبب قدرتها على جمع كل الأصوات والالتزامات لمواجهة سياق حضري غير مسبوق.

         وما برحت مؤتمرات الموئل تعقد كل 20 عاما منذ عام 1976، عندما عقد الموئل الأول في فانكوفر، كندا. ولقد عقد الموئل الثاني في إسطنبول، تركيا، عام 1996. ومن المقرر هذا العام أن يقدم الموئل الثالث نقلة نوعية تاريخية للتحضر بوصفه أداة للتنمية. ويوجه المؤتمر رسالة واضحة مفادها أن نمط التحضر بحاجة إلى تغيير بغية تحسين الاستجابة للتحديات المعاصرة ومعالجة مسائل من قبيل عدم المساواة، وتغير المناخ، والطابع غير النظامي، وانعدام الأمن، والأشكال غير المستدامة من التوسع الحضري.

         ومنذ الموئل الثاني، شهدت المدن نموا في مساحتها أكثر من عدد سكانها - وهذا إنما يشكل دلالة واضحة على الافتقار إلى التوسع الحضري المحكم التخطيط والانتشار البديل للنمو الحضري التلقائي. إن التوسع الحضري الذي يظل بلا رادع قد يؤدي إلى تفاقم التحديات الراهنة، مثل زيادة الطلب على التنقل واستهلاك الطاقة، والتدهور البيئي، وزيادة تكاليف الخدمات الحضرية للفرد الواحد (المياه، والصرف الصحي، وصرف الفضلات)، وزيادة تكاليف الأماكن العامة والبنى التحتية للفرد الواحد، وانخفاض إنتاجية التوسع الحضري، وتدني عدد اقتصادات التكتل. ونأمل أن يتيح الموئل الثالث الفرصة لعكس هذه الاتجاهات غير المستدامة واعتماد إطار التوسع الحضري المقرر وأن يؤدي إلى التوسع الاجتماعي والاقتصادي، مما يجعل المدن تصلح للجميع.

                 الخطة الحضرية الجديدة: تغيير الطريقة التي نعيش بها في المدن ونديرها

         من الضروري أن تقوم الدول الأعضاء بتجديد التزامها بالتحضر المستدام، وإثارة المواضيع الفنية في المناقشة بشأن الخطة الحضرية الجديدة.

         أولا، تكتسب الأماكن العامة الاعتراف بوصفها عنصرا رئيسيا للتفاعل والإدماج الاجتماعي، والصحة والرفاه، والتبادل الاقتصادي، والتعبير الثقافي والحوار في المناطق الحضرية. والالتزام بتعزيز أماكن عامة آمنة ومتاحة ومفتوحة للجميع وخضراء وجيدة النوعية في المدن والقرى يمكن أن يؤدي إلى تغيير أسلوب تفاعلنا مع بيئتنا الحضرية من منطلق نهج كلي.

         ومن ناحية أخرى، يجب أن تصبح الحكومات المحلية والإقليمية جهات فاعلة هامة في هذا النموذج الحضري الجديد. وهي المؤسسات الأقرب إلى المواطنين الذين يواجهون التحديات اليومية، بما في ذلك التحديات المتعلقة بالسكن والوظائف والخدمات الأساسية والبنى التحتية والنقل والعديد من الجوانب الأخرى التي تؤثر على حياتهم بطريقة ملموسة جدا. وتشكل رغبة الحكومات الوطنية في تشجيع المزيد من التنسيق والتعاون بين الحكومات الوطنية ودون الوطنية والمحلية خطوة جبارة إلى الأمام في طريق إدارة المدن.

         وعلاوة على ذلك، لا يمكن تحقيق نقلة نوعية إلا إذا استطعنا التركيز على إيجاد مدن متراصة وكثيفة ومختلطة والتخطيط لها مسبقا. ولا غنى عن تنفيذ التخطيط المتكامل الذي يهدف إلى تحقيق التوازن بين الاحتياجات القصيرة الأجل والنتائج المرجوة الطويلة الأجل للاقتصاد التنافسي، وارتفاع مستوى نوعية الحياة والبيئة المستدامة، من أجل إيجاد مدن متقنة التصميم.

                 العملية المفضية إلى كيتو: تركة الموئل الثالث

         لقد أصبح الطريق إلى الموئل الثالث نفسه أحد أكثر الموروثات القيِّمة للمؤتمر. والعملية المفضية إلى كيتو هي معيار الإدراج في تاريخ مؤتمرات الموئل. فلقد كثفت حضور منتديات مبتكرة وقائمة على المشاركة على نطاق واسع لإتاحة إدراج جميع الأصوات والآراء في مناقشة الخطة الحضرية الجديدة. وفي السنتين الماضيتين، استطاع كل من منظومة الأمم المتحدة، وأصحاب المصلحة، والشركاء، والحكومات المحلية والإقليمية، والدول الأعضاء بلورة النهج الذي يتعين اتباعه إزاء الحقبة الحضرية الجديدة بصورة جماعية. وإلى جانب العمليات الوطنية والإقليمية وعقد ثلاث دورات للجنة التحضيرية، عقدت عملية الموئل الثالث 11 اجتماعا إقليميا ومواضيعيا، مما أسفر عن إعلان المشاركين؛ و 22 ورقة تحليلية؛ و 10 وثائق سياسة تولى إعدادها 200 من الخبراء المستقلين؛ وجلسات حوار حضرية على شبكة الإنترنت؛ ونطاق واسع من الأنشطة القائمة على المشاركة، بما في ذلك وجبات الفطور الحضرية، والمسيرات الحضرية، وأكاديميات الصحافة الحضرية.

         وبالإضافة إلى ذلك، عقدت جلسات استماع غير رسمية مع السلطات المحلية والجمعيات وسائر الجهات صاحبة المصلحة للسماح لها بمناقشة ”المسودة الأولية“ للخطة الحضرية الجديدة مع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة. وكانت هذه أول عملية تشاورية للاعتراف بالحكومات دون الوطنية والتعاطي معها بوصفها جهة مستفيدة محددة، الأمر الذي يمثل معلما بالنسبة إلى الحركة الدولية للسلطات البلدية. وبعض المنابر التي أثارتها عملية الموئل الثالث، مثل الوحدات المعنية بالسياسات، وجلسات الاستماع مع السلطات المحلية، وخطة كيتو لتنفيذ الخطة الحضرية الجديدة، قد يشكل سابقة عظيمة لمؤتمرات وقمم الأمم المتحدة في المستقبل.

          وفي هذه المرحلة، إنني أتطلع إلى رؤيتكم في كيتو في تشرين الأول/أكتوبر. ولن يكتب للمؤتمر النجاح إلا إذا تحملنا المسؤولية جميعا، على كافة المستويات، وقدمنا تعهدات للأجيال المقبلة في المناطق الحضرية. إن الموئل الثالث هو عن سكان المدن، عن شعوب العالم، وقبل كل شيء، عن أكثر الناس احتياجا. إنه مؤتمر الأمم المتحدة لفائدة جميع المواطنين وبمشاركتهم.