المضي إلى أبعد مما تحقق: الاستفادة من البيانات والأدلة في تحسين نظام المعونة الإنسانية

 

         هل تتخذ في ظل نظام المعونة الإنسانية الإجراءات الصحيحة؟ وهل تنفذ تلك الإجراءات الصحيحة على نحو صحيح؟ هل يمكن أن تساعد البيانات على زيادة فعالية المعونة الإنسانية؟ قد تبدو تلك الأسئلة غير ضرورية. فمن المفترض أن تحسين البيانات سيؤدي بالقطع إلى زيادة فعالية الأداء في مجال تقديم المعونة الإنسانية. إلا أن الإجابة في أفضل الأحوال هي ”ربما“: فتوافر مزيد من البيانات لا يترجم دائما إلى تحسُّن العمل الإنساني أو نوعية الرعاية.

         ويُذكر أنه في عام 2014، بلغت ميزانية المعونة الإنسانية 24.5 بليون دولار. وفي هذا الصدد أفاد التقرير الخاص بحالة المساعدات الإنسانية على الصعيد العالمي (2015) بأنه ما زال هناك عجز في تلبية الاحتياجات قدره 18 في المائة. ورغم أنه تم تحويل الموارد من ميزانيات المساعدة الإنمائية الرسمية التقليدية إلى المعونة الإنسانية نتيجة لأزمات اللاجئين الراهنة. ما زالت هناك حاجة إلى مزيد من التمويل ومن المرجّح أن يتم سد النقص في العقد القادم. ومن ثم فليس من المستغرب أن يساور وكالات المعونة والوكالات المانحة القلق إزاء مدى فعالية المساعدات وتأثيرها. ففي الوقت الراهن يعيش 93 في المائة من السكان الذين يعانون من فقر مدقع في بلدان تعصف بها الأزمات الإنسانية. وغني عن البيان أنه لا بد من استعمال كل دولار من دولارات المعونة للإسهام في تخفيف معاناتهم.

         ولقد آن الأوان الآن والعالم يستعد للاجتماع في مؤتمر القمة العالمي للعمل الإنساني في إسطنبول في أيار/مايو 2016 للنظر في مدى كفاءة توزيع المعونة الإنسانية. والواقع أن قطاع الشؤون الإنسانية يستخدم بالفعل طائفة متنوعة من الوسائل للوقوف على مدى تحقيق ذلك من عدمه. وفي هذا الصدد، قطعت منظومة العمل الإنساني شوطا طويلا منذ الحقبة التي كان يكفي فيها إبداء نية المساعدة وتقديمها. أما اليوم فمعظم برامج المعونة الإنسانية تُجري، بأقصى قدر ممكن، تقييمات سريعة وتجمع بصفة دورية بيانات البرامج وتُنفذ استطلاعات للرأي وتضطلع بأنشطة رصد وتقييم في حينها وكلها أمور تُسهم إسهاما بالغ الأهمية في فهم أنشطة المساعدة وتنفيذها.

         وتجدر الإشارة إلى أن ثورة البيانات التي نشهدها في الوقت الراهن تسمح بجمع البيانات بشكل أيسر وتُعزز القدرة على توضيح البيانات وعرضها وتحليلها. فالبيانات التي تُجمع بطرق أسرع وأفضل وأذكى يمكن أن تُلقي الضوء على العديد من جوانب المعونة الإنسانية. ويرد في الجدول أدناه موجز لبعض الطرق التي يُمكن بها استخدام أنواع مختلفة من البيانات التي يُمكن أن تهتدي بها منظومة العمل الإنساني بشكل أفضل. ومن نافلة القول أن الأمر يستلزم تحسين البيانات لاستجلاء ما إذا كانت المعونة الإنسانية مناسبة وفعالة ومنبنية على المبادئ وحسنة التوقيت.

 

مصادر البيانات المستخدمة في مجال المعونة الإنسانية مع توضيح المزايا والعيوب (بوري ودودي، 2016)

الرقم

النوع

الهدف منها

ملاحظات أخرى

 

 

 

 

1 -

صور الأقمار الصناعية

بيان التغيرات في الحالة المادية لمنطقة جغرافية بعينها وتوضيح وتقدير حجم الدمار وكثافة البناء واستخدام الأراضي باستخدام الوسائل البصرية.

تتطلب صور (لاندسات) العالية الدقة ترجمة وتفسيرا من واقع ما يحدث بالفعل على الأرض.

2 -

الصور الملتقطة من الجو وغيرها من الصور الملتقطة بأجهزة الاستشعار عن بعد

الاهتداء بها في أنشطة المراقبة ورسم الخرائط والتحركات المتعلقة بالنزوح وتحديد الارتفاعات وعلم الطوبوغرافيا.

يمكن دمجها بسهولة مع بيانات النظام العالمي لتحديد المواقع (GPS). وتُعدُّ مخرجاتها بالغة الدقة، ويمكن، حسب دقتها، استخدامها بسهولة في أنظمة المعلومات الجغرافية. وتُساعد صور الاستشعار عن بعد على جمع بيانات عن الأجسام الخطرة التي يتعذر الوصول إليها. ويمكن أن تحل هذه الصور محل البيانات  الميدانية العالية التكلفة، وتضمن أيضا عدم حدوث أي خلل.

3 -

البيانات المكانية المفصّلة (الخرائط)

الاسترشاد بها في تقييم حالة التربة والطرق وكيفية الوصول إلى الأراضي ومجالات الاستفادة منها وحدود الممتلكات، بما في ذلك، القرى والمدن والوحدات الإدارية الأخرى، وتقدير الارتفاعات والكثافة السكانية وإعداد خرائط المناخ والتوزيع العرقي وأنماط الهجرة. وأصبحت الخرائط التي تتضمن مؤشرات على حالات معيّنة، مثل المؤشرات التي توضح مناطق انتشار الفقر، شائعة أيضاً.

تشمل الخرائط الطوبوغرافية وخرائط التربة. وعادة ما تتطلب أساليب أخرى للبناء من قبيل صور الاستشعار عن بعد وأيضا المعلومات المتعلقة بالتعداد السكاني (مثلا لتحديد حقوق الملكية وتعيين الحدود).

4 -

الاستقصاءات (الاجتماعية والمواضيعية واستطلاعات الرأي على مستوى الأفراد أو الأسر المعيشية)

بيان سبل الرزق؛ والأنماط السلوكية؛ ومدى الأهلية للاستفادة من برامج معينة؛ والتصورات؛ والمؤشرات الاجتماعية والاقتصادية؛ وفرص الاستفادة من الخدمات المادية والاقتصادية والاجتماعية؛ والمنفعة؛ ومستويات الدخل والأصول المتاحة وتأثيرها في مجال الرعاية الاجتماعية بما في ذلك التغيرات في هذه المستويات وذلك تبعا لطريقة عرض البيانات كأن تكون مثلا بيانات سلاسل زمنية أو بيانات مبوبة أو بيانات قطاعية أو بيانات قطاعية مكررة.

يتطلب هذا النوع من مصادر البيانات عمل نوعي دقيق قبل وبعد جمع البيانات لتصبح قابلة للتفسير؛ وتدريب القائمين علي جمع البيانات وتحريك أدوات جمع البيانات بدقة بما يكفل وضوح الأسئلة؛ ويتطلب أيضاً تنقية البيانات. وتُعدُّ مبادرتي الصحة الإلكترونية (M-health و e-health) مناسبتين تماما للاستقصاءات حيث تكمن فيهما إمكانية توفير بيانات ذكية على نحو أفضل وأسرع. وفي معظم الحالات، يجب مراعاة الدقة في إدخال البيانات وفي المراجعة الحسابية في سياق الاستقصاءات ذاتها، عند استخدام الهواتف المحمولة أو الحواسيب اللوحية في جمع البيانات. وتتسم البيانات القطاعية وبيانات السلاسل الزمنية المكررة أو البيانات المبوبة بخصائص تفيد تحديدا في فهم التغيرات على مر الزمن. ومن المهم فهم نقص البيانات والأسباب المؤدية إلى ذلك. ومن المهم أيضاً إعداد هذه الاستقصاءات بعناية بما يتيح استجلاء معدل تواتر التحيز واتجاهاته.

5 -

البيانات الإدارية وبيانات البرامج التي تقوم بجمعها الوكالات العاملة في المجال الإنساني أو الإدارات الحكومية أو المنظمات، على مستوى الوحدات الإدارية

بيان الأهلية؛ والسمات الاجتماعية والاقتصادية العادية؛ والعمليات الإدارية وعمليات إدارة بيانات التشغيل والأداء؛ والقوانين والتغييرات في التشريعات.

البيانات التي يمكن استخدامها فيما يتصل بشرائح معينة من السكان عادة ما ترد من مجموعات متنوعة من المصادر . وهي توضح التغيرات أو السمات الرئيسية. ويمكن أن تساعد على تحديد الأهداف فيما يخص فئات معينة من السكان.

6 -

المقابلات الشخصية، المنظمة أو شبه المنظمة

بيان التصورات والمعتقدات والعادات وأسباب تغير السلوك وبعض العوامل التي تحكم التصرفات، والوضع الاجتماعي والتفاعل والتبادل الاجتماعيين. وتساعد أيضا على تفسير التحيّز غير الملحوظ في الاختيار وتفسير أسباب المشاركة وعدم المشاركة.

تلزم في المعتاد قبل، وأثناء، وبعد معظم عمليات جمع البيانات الكمية بحيث يمكن تثبيت البيانات الكمية وتجميعها بصورة محكمة وتفسيرها بوضوح. وتلزم أيضاً في تصميم الاستبيانات وتجريبها على عينة ما.

7 -

دراسات الحالة

المساعدة على الفهم النوعي للديناميات والقوى المحركة المحلية، بما في ذلك العمليات التفاعلية.

لدراسات الحالة أهمية خاصة في فهم التفاعلات والسلوكيات وهي توفر نظرة  ثاقبة لما يمكننا استخلاصه من البيانات الكمية.

8 -

بيانات نظام تحديد المواقع

المساعدة على تحديد مواقع المدن والأسواق والمستشفيات والمدارس وكذلك حدود الممتلكات والمناطق.

يمكن دمجها في نظم المعلومات الجغرافية مع بيانات أخرى وهي تساعد في الجمع بين البيانات الجوية والبيانات الميدانية. وتوفر بياناتُ نظام تحديد المواقع إحداثيات مكانية يمكن الجمع بينها وبين أجزاء من صور الأقمار الصناعية بما يجعلها مفيدة بالاقتران مع أنواع أخرى من البيانات.

9 -

نظم المعلومات الإدارية

التثبت من الأداء والدقة في التنفيذ ومن مدى تحقُّق أهداف المشروع.

عادة ما يتم استخدام هذه البيانات مع بيانات العمليات في تقييم دقة التنفيذ.

 

         وعلى الرغم من التقدم المحرز في جمع البيانات فنحن في حاجة إلى أكثر من مجرد بيانات بسيطة لنسترشد بها في عملنا. ويرد أدناه وصف ثلاثة أنواع من البيانات تستخدم في أغراض محددة.

         البيانات اللازمة للتحرك السريع - ما هي احتياجات السكان المتضررين من الأزمة؟ من هي أشد الفئات ضعفا؟ ما هي القدرات المتاحة محليا؟ إلى أين ينبغي توجيه المساعدة خلال أي أزمة إنسانية؟ ما الذي يمكن أن يساعد على تحديد حجم أنشطة الاستجابة ونطاقها؟ ويُذكر أنه إبان تفشي الإيبولا في غرب أفريقيا وأنفلونزا الطيور في آسيا كانت هناك دعوة قوية إلى تسريع وتيرة عملية جمع البيانات وتغيير نوعيتها بصورة جذرية بما يحسّن أساليب الاستجابة، ويشمل البيانات الأساسية في مرحلة ما بعد انتهاء حالة الطوارئ والبيانات المتعلقة بمواطن الضعف وبالاحتياجات من القدرات والموارد. وفي الكوارث الطبيعية والنزاعات الضارية يُعدُّ تدفق البيانات دونما عائق شرطا أساسيا لتحسين التنسيق بين الوكالات وزيادة فعالية الاستجابة. وتتبع الوكالات المختلفة إجراءات تشغيل قياسية مختلفة وبالتالي فمن نافلة القول أن نوعية البيانات التي تجمعها معظم المنظمات تتباين تباينا كبيرا.

         البيانات اللازمة لقياس الأثر - يتعين علينا في الواقع أن نبدأ في تقييم ما إذا كانت المعونة الإنسانية تُحدث فارقا أم لا وقياس حجم ذلك الفارق وفهمه. فمثلا يطرح برنامج الأغذية العالمي أسئلة مهمة عن مدى إسهام أنشطة الوقاية من سوء التغذية المتوسط والحاد وعلاجهما في تحسين مستويات التغذية والصحة العامة بمعدلات قابلة للقياس. وثمة اتجاه متزايد الآن لإجراء التقييمات المتصلة بالتغيرات الناتجة عن البرامج (التي يطلق عليها أيضا تقييمات الأثر). إلا أنه ما زالت توجد في هذا المجال فجوة واسعة تتصل بالأدلة: فلقد أُجري في عام 2014 تقييم عام في سياق المبادرة الدولية لتقييم الأثر خلص إلى أن ما أُجري من تقييمات لأثر برامج المعونة الإنسانية يقل عن 50 تقييما على الرغم من أنه تم استثمار ما يربو على 100 بليون دولار في هذا المجال خلال فترة قدرها 10 سنوات فقط (بوري وآخرون، 2014).

         البيانات اللازمة لتحسين الأداء - لكفالة وصول المساعدات لأشد الفئات ضعفا من المهم أن نُدرك الحقائق الميدانية وتحديات ”المرحلة النهائية“. وتتطلب عملية استحداث نماذج أداء فعالة إجراء تحليلات دورية للبيانات واستقاء آراء المستفيدين. فمثلا في البيئات الفقيرة الموارد غالبا ما يعتمد على أخصائي الصحة العامة على الصعيد المجتمعي في توفير معظم خدمات الرعاية الصحية الأولية. فنقص الملاك الوظيفي كثيرا ما يعوق قدرة أخصائي الصحة العامة على الصعيد المجتمعي الذين يتقاضون أجورا منخفضة ولا يتلقون تدريبا كافيا على توفير مجموعة الخدمات بأكملها على نحو فعال. وفي هذا الصدد، يندرج تبديل المهام ودمج المرضى الذين خبروا المرض في عملية تقديم الرعاية ضمن بعض من الطرق المبتكرة التي من خلالها تحقق الالتزام بعلاج فيروس نقص المناعة البشرية في جنوب أفريقيا وأماكن أخرى.

         والواقع أن المشاورات التي سبقت مؤتمر القمة العالمي للعمل الإنساني لم تتطرق إلى موضوع الأدلة إلا من بعيد. ويتناول التقرير التجميعي لعملية المشاورات جانبا هاما من هذه الأدلة ألا وهو - الحاجة إلى بيانات أفضل - ولكن ما زال هناك الكثير من الأسئلة بغير رد. فكيف ينبغي تنفيذ البرامج؟ وما هي الحوافز التي من شأنها أن تمكّن أخصائي الصحة العامة على الصعيد المجتمعي من تقديم رعاية أفضل؟ وكيف يمكن تشجيع الوكالات المعنية بالعمل الإنساني والموظفين العاملين في مجال الشؤون الإنسانية على الأخذ بابتكارات لم تثبت فعاليتها بعد؟ وهل مفعول الحوافز النقدية هو الأقوى على الدوام أم أن التقدير الاجتماعي يمكن أن يؤدي دورا فعالا في هذا الصدد؟ وإلى أي مدى ينبغي تشجيع مشاركة المجتمع المحلي في وضع البرامج وتحديد أهدافها؟ وما هو القدر الأمثل من التدريب والحوافز اللازم لزيادة الكفاءة على أرض الواقع؟ وهل هناك وسائل أخرى يمكننا بها كفالة تنفيذ البرامج حتى آخر محطة لها في ضوء الشواغل الأمنية للعاملين في مجال الشؤون الإنسانية؟ وكيف يمكن كفالة حياد الإنسان وكفاءته؟

         من الواضح أن زيادة جمع البيانات لن تكفي وحدها. فمن المتعين على دوائر العمل الإنساني أن تفكر فعليا في البيانات بوصفها عنصرا ضروريا يُسترشد به في اتخاذ الإجراءات الصحيحة وتنفيذها على نحو صحيح. ولسوف يستلزم ذلك وضوحا في الرؤية بشأن نوع البيانات التي يتم جمعها والغرض منها بدلا من جمع البيانات لمجرد جمعها.

 

                 المراجع

-       Global Humanitarian Assistance Programme (2015). Global Humanitarian Assistance Report 2015. Bristol, UK, Development Initiatives. متاح على: http://www.globalhumanitarianassistance.org/wp-content/uploads/2015/06/G....

-       Puri, Jyotsna and Bharat Dhody (2016). Missing the Forests for the trees? Assessing the Use of Impact Evaluations in Forestry Programmes. In Sustainable Development and Disaster Risk Reduction, Juha I. Uitto and Rajib Shaw, eds. Tokyo, New York, Springer.

-       Puri, Jyotsna and others (2014). What methods may be used in impact evaluations of humanitarian assistance? 3ie Working Paper, no. 22. New Delhi, International Initiative for Impact Evaluation (3ie). متاح على: http://www.3ieimpact.org/media/ filer_public/2014/12/08/wp_22_humanitarian_methods_working_paper-top.pdf.

-       World Humanitarian Summit secretariat (2015), Restoring Humanity: Synthesis of the Consultation Process for the World Humanitarian Summit. New York, United Nations. متاح على: https://www.worldhumanitariansummit.org/key-documents#major-reports-linking.