من الأقوال إلى الواقع: موظفو الأمم المتحدة يدفعون عجلة التغيير

©UN Photo/Jean-Marc Ferré

قطعت الأمم المتحدة شوطا كبيرا منذ أن أنشأتها، قبل سبعين عاما، دول ذات سيادة لحل النزاعات بين الدول. وجهودها الهائلة في مجال حفظ السلام والمعونة الإنسانية ووضع المعايير العالمية ترغمني على أن أتساءل عما كنا سنفعل بدونها. وأنا أعترف٬ كما يعترف الجميع، بعظم الأزمة التي تواجهها الأمم المتحدة - بل والعالم - اليوم. غير أنني أريد أولا أن أركز على قليل من الإنجازات الكثيرة التي اعتبرها رائعة.

         خلال أيام الفصل العنصري السوداء في وطني، جنوب أفريقيا، كنت مقتنعا اقتناعا ثابتا بضرورة الاهتداء بنظام للقيم المعترف بها عالميا لما هو حق وعدل. والأمم المتحدة توفر لنا معيار القيم والقواعد هذا، إلى جانب أدوات تنفيذها. وقد حققت تقدما مدويا من نظام للقانون الدولي التقليدي يرتكز على الدول، ويستند إلى سلطان سيادة الدولة، إلى مؤسسة تقوم على المعايير. أهدافها واضحة: ففي حين تحترم حرية الدول ذات السيادة، هي أيضا مكرسة لحماية وتعزيز السلام والأمن والتنمية وسيادة القانون وحقوق الإنسان لشعوب العالم.

         ويلعب القانون الدولي بشكل متزايد دورا في صياغة سياسة الدول، فضلا عن القانون المحلي، من أجل تعزيز حماية حقوق الإنسان. وقد كان هناك أيضا تقدم ملحوظ في القانون الجنائي الدولي، بتأكيده على المسؤولية الجنائية للفرد. وقد ظل التقدم في مجال العدالة الجنائية الدولية خاملا طيلة نصف قرن بعد محاكمات نورمبرغ وطوكيو في عام 1945. ولكن المشهد تحول سريعا خلال السنوات العشرين الماضية. فقد أعقب إنشاء محكمة الأمم المتحدة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة في عام 1993، ومحكمة الأمم المتحدة الجنائية الدولية لرواندا في عام 1994 إنشاء محاكم دولية مخصصة في تيمور الشرقية، وكوسوفو، وسيراليون، وكمبوديا، وإنشاء محكمتي العراق ولبنان. وباعتماد نظام روما الأساسي في عام 1998، أنشئت المحكمة الجنائية الدولية، وهي أول محكمة جنائية دولية دائمة في العالم على الإطلاق.

         بيد أن فكرة وضع معايير عالمية لحقوق الإنسان فكرة جديدة نسبيا. وهذا الاستخدام من جانب المجتمع الدولي للسلطة القضائية، مدعوما بالعقوبة لردع الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، هو أيضا تطور أحدث. وكما قال الشهود في محاكمات الإبادة الجماعية أمام المحكمة الجنائية الدولية لرواندا - التي كنت قاضيا فيها - “لقد اشتقنا إلى هذا اليوم لنشهد إقامة العدالة”. وقد كان إقامة نظام للعدالة الجنائية الدولية معلما حقيقيا من معالم الأمم المتحدة.

         والقانون الدولي يضع معايير واضحة للمساواة، والتحرر من التمييز، والكرامة الإنسانية للجميع. ويُعد إعلان الأمم المتحدة العالمي لحقوق الإنسان الإطار الأساسي لحقوق الإنسان، وتؤمن جميع بلدان العالم اليوم بمبادئه. وتجسدها أغلب الدساتير والتشريعات الوطنية، وقد جرى تعزيزها على مدى سبعين سنة من النشاط المطرد للأمم المتحدة بما في ذلك اعتماد الاتفاقيات والمعاهدات والقرارات والإعلانات.

         ووفقا للمبادئ الأساسية للقانون الإنساني الدولي والقانون الدولي لحقوق الإنسان، تقبل الدول أنها هي التي تتحمل المسؤولية الأولى عن حماية حقوق الإنسان لشعوبها - الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية - وتلبية مطلبها في التحرر من الخوف والعوز.

         وفي الوقت ذاته، تؤمن الأمم المتحدة بالمبدأ القائل أنه عندما تحتاج الدول إلى المساعدة في الوفاء بمسؤوليتها لحماية شعبها، ينبغي للمجتمع الدولي أن يقدم المساعدة. وهذا أمر بالغ الأهمية عندما تواجه الدول جماعات مسلحة ترتكب فظائع ضد الشعب، وعندما تجتاح البلد كوارث طبيعية أو يفتقر إلى الموارد الأساسية اللازمة لتقديم الخدمات.

         والقانون الدولي واضح أيضا في أنه عندما تخفق الدولة بشكل جلي في حماية سكانها من الانتهاكات الواسعة النطاق لحقوق الإنسان، على المجتمع الدولي أن يتدخل للحماية مستخدما الوسائل المقررة والمبيَّنة في ميثاق الأمم المتحدة.

         ومما يؤسف له، أن سيادة الدولة غالبا ما يُحتج بها للالتفاف حول اتخاذ الأمم المتحدة إجراء من أجل منع انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. وكثيرا ما تكون الحكومات نفسها، سواء بالعمل أو بالتقاعس، مذنبة بتغاضيها عن هذه التجاوزات.

         ومن التناقض المرير أننا ونحن نحتفل بإنجازات الأمم المتحدة في سبعين سنة، تواجه المنظمة أكبر تحديات لها في الوقت الحاضر. فالصراع الجاري في سورية قد دخل عامه الخامس - باسطا أذرعه عبر الحدود إلى العراق؛ مسببا خسائر في الأرواح لأكثر من 000 200 نسمة ومشردا ملايين السوريين ممن تكتظ بهم الآن مآوي الأمم المتحدة وأماكن إقامة مؤقتة شتى.

         إن الفظائع التي ترتكبها جماعة الدولة الإسلامية في العراق والشام المتمردة تصدم بشكل خاص ضميرنا الجماعي. فآلاف الرجال والنساء والأطفال يُعدمون أو يُجندون قسرا، وتُباع الفتيات لأغراض الرق الجنسي، وتُغتصب النساء. وهم إذ يفرضون صورتهم المتطرفة للإسلام، لا يقدمون خيارا آخر لأسراهم سوى اعتناق دينهم أو الذبح. وقد استطاعت الدولة الإسلامية في العراق والشام، مستخدمة تكنولوجيا العصر الرقمي الحديثة المتقدمة، تجنيد مقاتلين شباب من أنحاء العالم بأكثر الطرق مكرا. ونظرا لعجز حكومة العراق عن احتواء هذا الصراع الواسع النطاق، في مواجهة المتمردين السوريين والأجانب، فقد طلبت المساعدة من الأمم المتحدة لحماية شعبها.

         وهناك صراعات أخرى مُعقَّدة واحتمالات تفجرها كبيرة في أفغانستان، والأرض الفلسطينية المحتلة، وأوكرانيا، وجمهورية أفريقيا الوسطى، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وجنوب السودان، والسودان، والصومال، وليبيا، ومالي، واليمن. وتبرز هذه الأزمات التكلفة الكاملة لفشل المجتمع الدولي في منع نشوب الصراع. وهي تجمع بين سفك دماء وتدمير للهياكل الأساسية على نطاق واسع وظواهر عبر وطنية مزعزعة للاستقرار بشدة، بما في ذلك الإرهاب، وانتشار الأسلحة، والجريمة المنظمة، وهدر الموارد الطبيعية.

         ولم يتفجر أي من هذه الأزمات دون إنذار. فقد تراكمت عبر سنين من مظالم حقوق الإنسان؛ والحكم القاصر أو الفاسد؛ وعدم وجود مؤسسات مستقلة للقضاء وإنفاذ القانون؛ والتمييز والإقصاء؛ وأوجه اللاإنصاف في التنمية؛ واستغلال الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والحرمان منها؛ وكبح المجتمع المدني والحريات العامة.

         وقد نبهتنا تكرارا إلى أوجه القصور هذه نُظم الكشف المبكر، من قبيل خبراء الإجراءات الخاصة البالغ عددهم 51 آنذاك (55 حاليا) التابعين لمجلس حقوق الإنسان، والفحص المنتظم من جانب هيئات المعاهدات. ولذلك فإنه على الرغم من عدم إمكان التنبؤ بالضرورة بالتفاصيل الخاصة لكل صراع، كان الكثير من الشكاوى المتعلقة بحقوق الإنسان التي كانت أساس أي مواجهة ما معروفا. وكان يمكن، بل ينبغي، معالجتها.

         ذلك كان من واجب الدول المعنية في المقام الأول. لكنه عندما تعجز الحكومات عن حماية مواطنيها أو لا تكون راغبة في ذلك، يتطلع الناس إلى تدخل الأمم المتحدة - من خلال هيئات منظومتها المختلفة، ولكن على وجه الخصوص من خلال مجلس الأمن، مستندة إلى القانون الدولي ومستخدمة طائفة المساعي الحميدة، والدعم، ووسائل الترغيب والترهيب، التي تحت تصرفها لنـزع فتيل الصراع.

         وقد أنشأت الدول ذات السيادة الإطار الدولي لحقوق الإنسان، وذلك بالضبط لأنها كانت تعلم أن انتهاكات حقوق الإنسان تسبب الصراع، وذلك يقوض السيادة. والتحرك المبكر لمعالجة الشواغل المتعلقة بحقوق الإنسان يحمي الدول، وذلك بدرء خطر العنف المدمر والتشريد القسري. والاعتراف بهذه الحقيقة الملحة، والتصور الأوسع للمصلحة الوطنية، سيكونان أكثر ملاءمة لقرن تواجه فيه الإنسانية ككل عددا متزايدا من التحديات.

         وفي آب/أغسطس 2014، عندما ألقيت خطابا في مجلس الأمن، بصفتي مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، بينت هذا الرأي، موضحة أن استخدام حق النقض لوقف اتخاذ إجراءات بقصد منع نشوب الصراع أو نزع فتيله هو أسلوب قصير الأجل يؤدي في نهاية المطاف إلى نتائج عكسية. فالمصلحة الجماعية، التي حددها بوضوح ميثاق الأمم المتحدة، تحقق المصلحة الوطنية لكل بلد.

         ودائما ما تكون حقوق الإنسان ذات أهمية رئيسية لمنع نشوب الصراعات. إذ أن أنماط الانتهاكات، بما في ذلك العنف الجنسي، تقدم إنذارات مبكرة بالتصاعد؛ ولم تكن هذه الحقيقة أكثر جلاء قط منها اليوم. بيد أن خطة حقوق الإنسان هي أيضا خارطة طريق مُفصَّلة لطرق حل النزاعات. وسنين الخبرة العملية التي اكتسبتها مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان من خلال وجودها في أكثر من 58 بلدا، وعن طريق عناصر حقوق الإنسان في بعثات حفظ السلام، تستقطب عددا من الممارسات الحميدة التي تتناول بذور الصراع القريبة وجذوره العميقة على السواء.

         وتشمل هذه الممارسات تعزيز جهات المجتمع المدني الفاعلة، وزيادة مشاركة المرأة في صُنع القرار والحوار، وتناول مساءلة المؤسسات والأفراد عن الجرائم السابقة والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.

         وفي حين تحتدم الصراعات دون هوادة في عدد صغير من الدول بشكل مثبط للهمم، يبذل عدد متزايد من البلدان، رغم ذلك، جهودا جدية لتنفيذ خطة الأمم المتحدة للنهوض بحقوق الإنسان. ويرجع الفضل في ذلك إلى العدد الذي لا يُحصى من نُشطاء المجتمع المدني، والصحفيين، والمدافعين عن حقوق الإنسان، والمحامين، والموظفين الحكوميين الشجعان والملتزمين، الذين نجحوا ببطء عبر عقود في ترسيخ جذور المعايير الدولية لحقوق الإنسان في مجتمعاتهم. ومما له أهمية حيوية أن يُتاح للمجتمع المدني حيز ديمقراطي أكبر في المنتديات الدولية، وداخل كل بلد.

         وقد زاد اهتمام مجلس الأمن بحقوق الإنسان زيادة ملحوظة خلال فترة ولايتي كمفوضة سامية، فقد تزايد الاعتراف بأنه لا يمكنه أن يأمل في صون السلام والأمن والتنمية ما لم ينبه إلى سياق حقوق الإنسان ذي الصلة. ولكن على الرغم من الإحاطات المتكررة التي قدمتها مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان وهيئات الأمم المتحدة الأخرى بشأن الانتهاكات المتصاعدة في أزمات متعددة، وعلى الرغم من مناشدة الأمين العام للمجلس من أجل اتخاذ إجراء جماعي، لم يكن هناك دائما قرار حازم مستند إلى مبادئ من جانب أعضاء مجلس الأمن لإنهاء الصراعات. فقد كانت الاعتبارات الجغرافية - السياسية القصيرة الأجل والمصالح الوطنية، المحددة وفقا لمفهوم ضيق، تُفضَّل بشكل متكرر على معاناة البشر التي لا تُطاق، وعلى الانتهاكات الجسيمة للسلام والأمن الدوليين، وتهديدهما على الأجل الطويل.

         وفي خطابي أمام مجلس الأمن بشأن منع نشوب النزاع، اقترحت أن يتخذ المجلس عددا من النُهج الابتكارية لمنع تهديدات السلام والأمن الدوليين. وتُعد خطة عمل “حقوق الإنسان أولا” مبادرة هامة من أجل توفير جميع وكالات الأمم المتحدة بشكل جماعي ومباشر للحماية لحقوق الإنسان في أوقات الأزمات. وذلك تطور محمود، نجم عنه فشل الأمم المتحدة في حماية حقوق الإنسان في رواندا وسري لانكا. ويحدوني الأمل في أن تتيح للأمين العام في المستقبل وسائل تمكنه من أن يكون أكثر استباقا في الإنذار بالأزمات المحتملة، بما في ذلك الحالات التي لا تكون مدرجة رسميا على جدول أعمال مجلس الأمن.

         والحقيقة أنه بينما يمكن إرجاع الفضل إلى الأمم المتحدة في إنشاء مجموعة رائعة من القوانين، فإن تنفيذها على أرض الواقع ناقص بصورة مؤلمة. ويجب أن أشيد بموظفي الأمم المتحدة ذوي الالتزام العالي الذين يعملون بلا كلل بالتعاون مع الدول والجهات الفاعلة في المجتمع المدني من أجل تنفيذ التغيير. وعلى الرغم من أن عملهم ليس براقا على نحو يكفي لاجتذاب انتباه الإعلام فإنه يمثل سلسلة طويلة من الخطوات الصغيرة نحو تحقيق المنفعة الطويلة الأجل، ألا وهي بناء مجتمعات مستقرة.

         وقد حققت الأمم المتحدة أيضا تقدما كبيرا في التوعية بالحقوق. فاليوم لا يستطيع المرء أن يقرأ صحيفة أو مدونة أو يفتح قناة تليفزيونية بدون أن يسمع عن حقوق الإنسان. وذلك أعظم التطورات التي حدثت في العشرين سنة الماضية، إلى جانب الحضور البارز والعمل الناشط لمنظمات المجتمع المدني. وعلى الرغم من بعض النكسات، يشعر الأفراد والجماعات بتمكينهم من طلب زيادة المساواة والمشاركة والمساءلة والحرية.

         ويحدوني وطيد الأمل في أن تُدرك الدول في السبعين سنة القادمة أن احترام حقوق الإنسان وميثاق الأمم المتحدة يُضفي شرعية على الزعماء. وأنا على يقين أيضا من أن الذين يتجاهلون هذه الحتمية سيُحاسبون، عاجلا أو آجلا.