السبعون سنة الأولى من عمر الأمم المتحدة: الإنجازات والتحديات

©UN Photo/Stephenie Hollyman

                 فترة الحرب الباردة

ربما لم يكن هناك مفر من أن تبدأ الأمم المتحدة على مسار شديد الانحدار هبوطا عن التوقعات الكبيرة التي أحاطت بها عند ميلادها. فقد كانت منظمة الأمن العالمية المتوخاة في ميثاق الأمم المتحدة، استنادا إلى إدامة للتحالف المنتصر ضد ألمانيا النازية، مولودا ميتا بسبب الصدع المتطور بسرعة بين الاتحاد السوفياتي وحلفائه الغربيين. وسرعان ما أصيب مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، الذي عُهد إليه بصون السلام والأمن الدوليين، بالشلل نتيجة عجز أعضائه الدائمين عن اتخاذ قرارات بشأن أي مسألة رأوا فيها تضارب مصالحهم(1) وعدم تطور هذه “الحرب الباردة” إلى حرب ساخنة لا يُعزى عموما إلى الأمم المتحدة، ولكن إلى “ميزان الرعب” بين الدولتين العظميين المسلحتين نوويا، وكلتاهما كان من المحتمل تدميرها جراء أي صراع مباشر. ويُغفل على نطاق واسع للغاية الدور الذي قام به الأمين العام يوثانت في المساعدة على منع نشوب هذا الصراع خلال أزمة القذائف الكوبية عام 1962، حتى وإن اعترف به كل من الدولتين العظميين كتابة آنذاك.

         إن استحداث دور “المساعي الحميدة” الذي يقوم به الأمين العام في منع نشوب الصراع من خلال الدبلوماسية الهادئة - والذي لم يذكر في الميثاق، على الرغم من أنه ربما ذكر بشكل ضمني في المادة 99 - كان بالتأكيد أحد إنجازات الأمم المتحدة خلال فترة الحرب الباردة، وإن كان بحكم طبيعته نادرا ما يعلن عنه، ومن الصعب قياس فعاليته أو حتى إثباتها. فمنع نشوب الصراع لا يمكن أبدا إثباته، حيث أن النتائج المغايرة للواقع هي نتائج غير يقينية بحكم طبيعتها. وثمة إنجاز آخر هو ارتجال دور حفظ السلام الذي تقوم به الأمم المتحدة - وهو عنصر غالبا ما يكون هاما في تمكين الأطراف المتحاربة من الاتفاق على هدنة أو وقف لإطلاق النار ومراعاته، حيث أنه أقام الثقة على كل جانب في عدم إمكان قيام الجانب الآخر بشن هجوم جديد دون أن يكتشف أمره.

         وكان يمكن للدولتين العظميين أيضا الاتفاق، من حين إلى آخر، على قرارات لمجلس الأمن تهدف إلى تحقيق الاستقرار في الأجزاء من العالم التي لا يمكنهما فيها أن يكونا على ثقة من السيطرة على حلفائهما، أي في الشرق الأوسط، حيث كانت هذه القرارات تتضمن أحكام وقف إطلاق النار، وتُرسي المبادئ لتسوية سياسية في نهاية المطاف، كما حدث في عام 1967، ومرة أخرى في عام 1973.

         وثمة إنجاز آخر يُستشهد به على نطاق واسع لهذه الفترة وهو إنهاء الاستعمار، وإن كان يُقال أن هذا الإنجاز يرجع بدرجة أكبر إلى تصميم الشعوب المستعمرة، وإلى قبول الدول الاستعمارية التدريجي لحقيقة أن الثمن المادي والأخلاقي لاستمرار الهيمنة أكبر من أن يستحق دفعه. والأمر الأكيد أن عضوية الأمم المتحدة أصبحت شارة أو شهادة هامة تدل على استقلال البلد، وورقة لعب دبلوماسية قيِّمة في يد أي دولة تتعرض سلامتها الإقليمية للتهديد، سواء بعدوان خارجي أو انفصال داخلي (أو بالاثنين معا في الحقيقة). وقد أصبح ذلك ممكنا باتفاق مسبق، تم التوصل إليه في عام 1955، بشأن “عضوية عالمية” أفضت فعليا إلى حماية الأعضاء المرشحين من استخدام حق النقض لرفض طلباتهم على أسس أيديولوجية من جانب أي من الدولتين العظميين. ونتيجة لذلك٬ كانت الأغلبية العظمى من شعوب العالم بحلول السبعينات ممثلة في الأمم المتحدة بحكومات مستقلة، وشكلت البلدان النامية أغلبية كبيرة من العضوية. وكنتيجة غير مباشرة لذلك، حصلت الصين الشيوعية على مقعدها كأحد الأعضاء الدائمين الخمسة في مجلس الأمن.

         وأخيرا، كانت هناك إنجازات هامة خارج المجال المباشر للسلام والأمن وهي: اعتماد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في عام 1948، تلاه العهدان الدوليان في عام 1966 (العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية)؛ وإنشاء صناديق وبرامج متخصصة في أنواع مختلفة من العمل الإنساني والإنمائي (منظمة الأمم المتحدة للطفولة، مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، صندوق الأمم المتحدة للسكان، برنامج الأغذية العالمي، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وغيرها).

                 عالم ما بعد الحرب الباردة

         في أواخر الثمانينات، أذن السحر الظاهري لميخائيل غورباتشيف، رئيس الاتحاد السوفياتي، بنهاية الحرب الباردة وبفترة وجيزة علقت فيها مرة أخرى على الأمم المتحدة آمال كبار بشأن إقامة عالم يسوده السلام والاستقرار. وفي عام 1998، مُنح حفظة السلام التابعون للأمم المتحدة جائزة نوبل للسلام، وفي عام 1990، اتخذ مجلس الأمن سلسلة من القرارات استجابة لاستيلاء العراق على الكويت، انتهت بالتفويض باتخاذ “كافة الوسائل اللازمة” (بما في ذلك استخدام القوة،) وأفضت إلى استعادة الكويت لسيادتها وسلامة أراضيها على أيدي تحالف بقيادة الولايات المتحدة في شباط/فبراير 1991. وبدا واضحا أن ذلك وفقا لروح الميثاق، وإن لم يكن وفقا لنصه، وألهم رئيس الولايات المتحدة جورج هـ. و. بوش بإعلان “نظام عالمي جديد”. وفي غضون ذلك، انتهى كثير من صراعات فترة ما بعد الاستعمار التي أبقي عليها بسبب تناحر الدولتين العظميين، وعادة ما كان ذلك يتم من خلال اتفاقات عن طريق التفاوض انطوت على نشر بعثات لحفظ السلام تابعة للأمم المتحدة - ليس بعد ذلك الوقت كراصدين سلبيين لوقف لإطلاق النار بين جيشين نظاميين، بل كشركاء يضطلعون بمجموعة واسعة النطاق من المهام (نزع السلاح، والتسريح، وإعادة الإدماج، ورصد الانتخابات، وإصلاح القضاء وقطاع الأمن، وغيرها) في سياق عمليات معقدة لبناء السلام باتفاق مسبق بين الأطراف (عادة فصائل متناحرة داخل دولة عضو واحدة). وأبدى مجلس الأمن أيضا مرونة رائعة في هذه الفترة، فسمح للاتحاد الروسي بأن يحل محل الاتحاد السوفياتي بين الأعضاء الدائمين الخمسة، وقبل تدريجيا الاضطلاع بمسؤوليته عن تناول الصراعات التي تحدث داخل الدول الأعضاء وفيما بينها.

         وشهدت فترة التسعينات سلسلة من المؤتمرات العالمية الرائعة اتفقت على معايير وأهداف في مجالات عديدة للتنمية الاجتماعية والاقتصادية، من حقوق الإنسان إلى السكان إلى وضع المرأة، وانتهاء بمؤتمر قمة الألفية الذي عقد في عام 2000، واعتماد الأهداف الإنمائية للألفية. بيد أنه في مجال السلام والأمن كان السجل أكثر تباينا بكثير، حيث أفضى انهيار الاتحاد السوفياتي إلى “لحظة القطب الواحد” التي كانت فيها الولايات المتحدة تُحجم بشكل متزايد عن إيلاء الاهتمام لآراء الدول الأخرى. وكافح مجلس الأمن، الذي لم تعد تُحبط جهوده بسبب العداء بين الدولتين العظميين، لاحتواء الصراعات الإثنية في شتى أنحاء العالم، فكان يتخذ قرارات غير واقعية أسندت ولاية طموحة لحفظة السلام التابعين للأمم المتحدة دون توفير الموارد اللازمة لذلك. وأفضى ذلك إلى سلسلة من الكوارث في الصومال، ورواندا، ويوغوسلافيا السابقة، مما شوَّه صورة الأمم المتحدة بشكل مزر. وثبت أن “النظام العالمي الجديد”، في رأي كثيرين، هو في الحقيقة “فوضى عالمية جديدة”.

         بيد أنه بعد فترة خسوف وجيزة استردت عمليات الأمم المتحدة لحفظ السلام وضعها في عام 1999، عندما وضع إقليمان - كوسوفو، وتيمور الشرقية - فعليا تحت إدارة مؤقتة للأمم المتحدة، لحين اتخاذ قرار بشأن وضعهما السياسي. وفي العام التالي، أجري استعراض شامل لعمليات الأمم المتحدة لحفظ السلام، برئاسة الأخضر الإبراهيمي، وفَّر أساسا أقوى وأكثر واقعية لولايات هذه العمليات في المستقبل، فضلا عن تنظيمها وقواعد اشتباكها.

         ومما لا شك فيه أن أسوأ انتكاسة في تاريخ الأمم المتحدة القريب كان الغزو الأنغلو - أمريكي للعراق في آذار/مارس 2003، إلى جانب عاقبته، وهي تدمير مقر الأمم المتحدة في بغداد في 19 آب/أغسطس 2003، والذي لقي فيه عدد من موظفي الخدمة المدنية الدولية البارزين حتفهم. وأفضى القرار الذي اتخذه عضوان دائمان في مجلس الأمن بالقيام بعمل عسكري دون التخويل الواجب، متجاهلين آراء زملائهم بل وآراء الغالبية الساحقة من الدول في الواقع، ليس فقط إلى أزمة متزايدة العمق في الشرق الأوسط، تتسم بصراع طائفي فتاك، ولكن أيضا إلى عدم ثقة دائم بين “الغرب وبقية الدول” - أدى، رغم أنه ليس هيكليا أو نظميا مثل الحرب الباردة، إلى عجز مماثل عن التصرف بحزم في الأزمات التي يكون فيها للقوى العالمية آراء متفاوتة تفاوتا حادا بشأن العناصر الفاعلة المحلية. فقد يختلف العضو الدائم الذي تلحق به أكبر معرة من حالة إلى أخرى (فكان في غزة، الولايات المتحدة؛ وفي سورية، روسيا)، ولكن الشعور بعدم الثقة والضغينة عمَّ كل مكان. ومن الواضح في الوقت ذاته أن علم الأمم المتحدة لم يعد يوفر الحماية الكافية لأولئك الذين يعملون في خدمة المنظمة، سواء كانوا من حفظة السلام أو من العاملين في الأنشطة الإنسانية. وتنظر الآن طائفة من العناصر الفاعلة من غير الدول - في العالم الإسلامي بصورة رئيسية، وليس على سبيل الحصر - إلى الأمم المتحدة باعتبارها جزءا من نظام عالمي جائر يحملون السلاح ضده، ولا يجدون في أنفسهم حرجا من استهداف ممثليه.

                 المضي قدما

         ليست الصورة قاتمة تماما. فلا يزال الأعضاء الدائمون الخمسة في مجلس الأمن على استعداد للعمل معا في المجالات التي يدركون أن لهم فيها مصلحة مشتركة - على سبيل المثال، في المفاوضات النووية مع إيران، أو في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، حيث لا تزال بعثات الأمم المتحدة لحفظ السلام تُنشأ بقرارات تُتخذ بالإجماع من جانب مجلس الأمن، وكثير منها لا يزال يحتج بالمسؤولية عن الحماية، بالرغم من شعور العداء الذي ساد عقب العمل الذي قامت به منظمة حلف شمال الأطلسي في ليبيا، والذي اعتبره الكثيرون إساءة لاستخدام السلطة المخولة تحت هذا العنوان في قرار مجلس الأمن 1973 (2011).

         ولا تزال التحديات الإنسانية مخيفة، خاصة مع ارتفاع عدد المشردين ليس فقط بسبب الصراع، ولكن بسبب طائفة معقدة من العوامل بما فيها تغير المناخ. ومع ذلك، فقليل من يرون أن هناك أحدا غير الأمم المتحدة قادرا على أن يقود وينسق الاستجابات مهما كانت الانتقادات. وبالمثل، في حين لا تجد البشرية حتى الآن بأي حال استجابة ملائمة لخطر تغير المناخ في حد ذاته، ما زال يُنظر إلى الأمم المتحدة بوجه عام بوصفها المنتدى الذي لا مناص منه الذي يجب أن تخرج منه هذه الاستجابة وتنسق. وعلاوة على ذلك، ستوفر أهداف التنمية المستدامة المقرر اعتمادها في خريف عام 2015 الإطار الأساسي لجهود العالم المشتركة الرامية لتحقيق التقدم الاقتصادي والاجتماعي خلال الخمس عشرة سنة القادمة.

         أما المجال الذي تكون فيه الحاجة إلى تقوية المنظمة أشد وضوحا فهو مجال السلام والأمن. فمحنة سورية، على وجه الخصوص، المستمرة عاما بعد عام، تهزأ بتصميم المؤسسين على “أن نُنقذ الأجيال المقبلة من ويلات الحرب”؛ وغدا دور الأعضاء الدائمين الخمسة يبدو بشكل متزايد أمرا مجافيا للعصر في نظر الغالبية العظمى من سائر الدول الأعضاء، بل وشعوب العالم في الحقيقة. وإصلاح مجلس الأمن مسألة أكثر إلحاحا مما يدرك كثيرون داخل “فقاعة” الأمم المتحدة، فيما يبدو. بيد أنه بالنظر إلى الصعوبات التي يضعها المؤسسون في طريق تعديل الميثاق، لا يمكن تحقيقه بدون حل توفيقي، ينطوي على تنازلات مؤلمة سواء من جانب أولئك الذين يطمحون إلى أن يصبحوا أعضاء دائمين جددا أومن جانب أولئك الذين يسعون إلى حرمانهم من ذلك المركز.

         وهذا الحل التوفيقي سيحتاج إلى تفاوض من جانب رؤساء الدول والحكومات، ومن ثم سيستغرق وقتا. وفي غضون ذلك، أو كما رأت حلقة الحكماء، يمكن للأعضاء إدخال تضبيطات طفيفة لا تتطلب تعديل الميثاق. ويمكن أن يُقرر الأعضاء الدائمون الخمسة الحاليون العمل بجد أكبر من أجل الاتفاق على إجراء فعال في الحالات التي تتعرض فيها حياة ورفاه سكان بكاملهم للخطر. ويمكن لأعضاء مجلس الأمن تخصيص جلسة، على أرفع مستوى، لممثلي المجتمع المدني في البلدان أو المناطق المتأثرة تأثرا مباشرا بقراراته. ولعل الأهم أن تستطيع الجمعية العامة الإصرار على طريقة أكثر إنصافا وشفافية لاختيار الأمين العام القادم، إذ أن نجاح الأمم المتحدة في السنوات القادمة يعتمد اعتمادا حاسما على قيادته.

الحواشي

        (1)  الاستثناء الوحيد من ذلك - وهو قرار استخدام القوة ردا على عدوان جمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية على جمهورية كوريا في عام 1950 - كان حالة شاذة لم تكن لتحدث لولا غياب الوفد السوفياتي من مجلس الأمن آنذاك.