التعاون في مجال المياه لمواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين

         سيتركنا القرن الحادي والعشرين، الذي هو جزء من الأنثروبيسين (عصر التأثير البشري) وقد أحدث تغييرات بيئية هائلة. فالنمو السكاني غير المسبوق، وتغير المناخ، والتحضر السريع، والتوسع في الهياكل الأساسية، والهجرة، وتحويل الأراضي، والتلوث تترجم كلها إلى تغييرات في تدفقات المياه ومجاريها ومستودعاتها – من الجليديات السريعة الذوبان إلى هبوط المياه الجوفية نتيجة للاستغلال المفرط. وقد زادت الكثافة السكانية واستخدام الفرد من الموارد زيادة حادة خلال القرن الماضي، وتعرضت مستجمعات المياه وطبقات المياه الجوفية والنظم الإيكولوجية المرتبطة بها إلى تعديلات هامة تؤثر على حيوية المورد وجودته وتوافره. ووفقا لتقديرات التنبؤات الراهنة للأمم المتحدة سيصل سكان العالم إلى 9 بلايين نسمة في عام 2050. والنمو الهائل في السكان واستخدام الفرد الأكثر غزارة للمياه هما من أول المحركات الرئيسية للتغير الهيدرولوجي وأثره. وتمثل تلبية الاحتياجات المختلفة للبشر، وبخاصة أولئك الذين يفتقرون إلى سُبل الوصول إلى المياه النظيفة، تحديا ضخما بالنسبة لكوكب محدود الموارد أصلا.([1]) وما تتسم به موارد المياه في العالم من تباين وضغف وعدم يقين سيزيد من تفاقم الأحداث الطقسية المتزايدة الشذوذ، بما في ذلك حالات الجفاف والفيضانات والعواصف. وهذه الكوارث تعوق بشكل خطير الجهود المبذولة لتحقيق الأهداف الإنمائية للألفية. إذ تؤثر شحة المياه الناجمة عن الجفاف وتدهور التربة والتصحر بالفعل على 1.5 بليون نسمة في العالم، وترتبط ارتباطا وثيقا بالفقر وانعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية.

        وفي ظل هذه الظروف، يجب زيادة كفاءة إدارة موارد المياه في أحواض الأنهار بشكل كبير بغية تأمين استمرار توافر المياه الكافية والاستدامة البيئية لتلبية احتياجات الحاضر والمستقبل. وهذا بالتأكيد هو أعقد تحدِ يواجه المهنيين والمديرين في مجال المياه لهذا القرن.([2]) ومن الصحيح أن قدرا كبيرا من الجهود وُجه نحو وضع مجموعة من المؤشرات والسياسات لتلبية احتياجات البشر والمجتمعات من الموارد المائية، بيد أنه لا يزال يلزم القيام بمزيد من العمل بشأن الخطوات الواجب اتخاذها من أجل تحسين إدارة المياه. وفضلا عن ذلك، تمتد مشاكل المياه عبر جميع الأبعاد من المحلية إلى العالمية، وتعتبر كفاءة الحوكمة أحد العوامل الرئيسية التي لا يمكن قياس وزنها.([3])

         وتواصل منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، بوصفها وكالة الأمم المتحدة المتخصصة الوحيدة المنوطة بولاية محددة لتعزيز علوم المياه، القيام بدور محوري، من خلال برنامجها الهيدرولوجي الدولي، في مساعدة وإرشاد الدول الأعضاء في القضايا العلمية وقضايا الحفظ والحماية والإدارة والسياسات ذات الصلة بالمياه. وقد تطور البرنامج الهيدرولوجي الدولي من برنامج منسق دوليا للبحوث الهيدرولوجية إلى برنامج كلي شامل لكل شئ هدفه تيسير التعليم وبناء القدرات، وتعزيز إدارة الموارد المائية وحوكمتها. وييسر البرنامج الهيدرولوجي الدولي اتباع نهج متعدد التخصصات ومتكامل إزاء إدارة مستجمعات المياه، يتضمن البعد الاجتماعي للموارد المائية، ويعزز البحوث الدولية في مجال العلوم الهيدرولوجية وعلوم المياه العذبة ويطور تلك العلوم. وييسر البرنامج الحوار بين جيل جديد من العلماء يعملون معا ويتقاسمون البيانات والمعرفة العلمية والتقنيات عبر الحدود السياسية، لا سيما من البلدان النامية، ومن خلال المراكز والكراسي الجامعية في مجال المياه التابعة له.

        وتستضيف اليونسكو البرنامج العالمي لتقييم المياه وتقوم بدور رائد فيه، وهو برنامج رئيسي تابع للجنة الأمم المتحدة المعنية بالموارد المائية. وتدعم البرنامج الهيدرولوجي الدولي أيضا شبكة تتألف من 18 مركزا من المراكز ذات الصلة بالمياه، ومعهد التعليم في مجال المياه التابع لليونسكو والمعهد الدولي لهندسة البنى الأساسية والهندسة الهيدرولية والبيئية، الواقع في ديلفت، هولندا، و29 كرسيا جامعيا ذات صلة بالمياه تابعة لليونسكو، وبرنامج التوأمة والتواصل الشبكي بين الجامعات. وسيقوم البرنامج الهيدرولوجي الدولي، بالاشتراك مع الدول الأعضاء فيه، بتنفيذ المرحلة الثامنة للبرنامج (البرنامج الهيدرولوجي الدولي- المرحلة الثامنة، 2014- 2021) المعنونة ”أمن المياه: الاستجابات للتحديات المحلية والإقليمية والعالمية“، وهو برنامج سيتناول تحديات التنمية المستدامة. وتعد السنة الدولية للتعاون في مجال المياه، 2013، فرصة مثالية للتوعية بدور المياه في التنمية المستدامة. وذلك يمكن تحقيقه بكفالة أن تتناول أنشطة السنة التعاون الدولي فضلا عن التعاون الوطني بين مختلف الجهات الفاعلة وأصحاب المصلحة وصانعي القرار في مجال المياه.

 التحديات العالمية

        تتغير حالة الموارد المائية دوما نتيجة للتباين الطبيعي الذي يتسم به نظام مناخ الكوكب والتغييرات التي يحدثها البشر في ذلك النظام المناخي. ويتأثر أيضا سطح الأرض الذي تشكل من خلاله الدورة الهيدرلوجية بالأنشطة البشرية التي تؤثر على الطلب، مثل نمو السكان والتنمية الاقتصادية والحاجة إلى السيطرة على الموارد([4]) ووفقا لما أفاد به الفريق الحكومي الدولي المعني بتغير المناخ، عام 2007، يُتوقع أن يزيد عدد الذين يعيشون في أحواض الأنهار المعرضة لإجهاد شديد زيادة كبيرة. وفضلا عن ذلك، تتعرض المناطق شبه القاحلة والقاحلة بصفة خاصة لآثار تغير المناخ على المياه العذبة. ويشير الفريق الحكومي كذلك إلى أنه بحلول عام 2020 قد يتعرض عدد يتراوح بين 75 و 250 مليون شخص في أفريقيا لإجهاد مائي متزايد نتيجة لتغير المناخ. فإذا ما اقترن ذلك بالطلب المتزايد فإنه سيؤثر تأثيرا ضارا على سُبل كسب الرزق ويؤدي إلى تفاقم مشاكل المياه. وأعظم خطر يحتمل وقوعه نتيجة لتغير المناخ في آسيا هو شحة المياه، لا سيما في أحواض الأنهار الكبيرة في جنوب آسيا وشرقها وجنوبها الشرقي. وبحلول عام 2020، يحتمل أيضا حدوث زيادات في الفيضانات الشتوية في المناطق البحرية وحدوث فيضانات مفاجئة في أنحاء أوروبا. وستؤدي الزيادة في حرارة الجو وجفافه إلى حدوث حالات جفاف أكثر تواترا وأطول أمدا. وبحلول السبعينات من هذا القرن ستعود حالات الجفاف التي تحدث حاليا كل مائة عام إلى الحدوث كل 50 عاما أو أقل في جنوب وجنوب شرق أوروبا. وبحلول العشرينات من هذا القرن، يقدر أن تتراوح الزيادة الصافية في عدد الذين يعانون من الإجهاد المائي نتيجة لتغير المناخ في أمريكا اللاتينية بين 7 و 77 مليون شخص. وفضلا عن ذلك، من المرجح جدا أن يؤدي تغير المناخ إلى فرض ضغوط على الموارد المائية المستخدمة بكثافة أصلا في أمريكا الشمالية، متفاعلا مع حالات الإجهاد الأخرى.([5])

 البرنامج الهيدرولوجي الدولي: إلى أين؟

        في ظل هذه الخلفية، تتخذ التحديات التي تواجه الموارد المائية من أجل تحقيق الأمن المائي بعدا عالميا بين الحكومات، نتيجة لزيادة في شحة المياه وما يرتبط بها من آثار على الناس والطاقة والأغذية والنظم الإيكولوجية. وحينما لا تتوافر المياه بكميات كافية وبجودة ملائمة فإنه يمكن أن يكون لذلك أثر سلبي على جهود التخفيف من وطأة الفقر والإنعاش الاقتصادي، مما ينجم عنه سوء الصحة وانخفاض الإنتاجية وانعدام الأمن الغذائي وعرقلة التنمية الاقتصادية. وحتى إن كانت الكميات الإجمالية من المياه في العالم كافية لتلبية الاحتياجات العادية العالمية والسنوية من المياه، فإن التفاوتات الإقليمية والزمنية في توافر المياه تسبب تحديات خطيرة للكثيرين ممن يعيشون في مناطق تعاني من إجهاد مائي حاد. وإلى جانب العوامل الطبيعية التي تؤثر على الموارد المائية، أصبحت الأنشطة البشرية المحركات الرئيسية للضغوط التي تتعرض لها نظم الموارد المائية على كوكبنا. وقد أدت التنمية البشرية والنمو الاقتصادي إلى أن زاد سكان العالم بمقدار ثلاثة أمثال في القرن العشرين، مما ترتب عليه ضغوط متزايدة على إمدادات المياه المحلية والإقليمية وانتقاص من كفاية جوانب تنمية المياه والمرافق الصحية. وهذه الضغوط تتأثر بدورها بطائفة من العوامل مثل النمو التكنولوجي، والظروف المؤسسية والمالية والتغير العالمي.

        وفي السنوات الخمسين القادمة، يتوقع أن يزيد عدد سكان العالم بحوالي 30 في المائة، مع تركز معظم التوسع السكاني في المناطق الحضرية. وسيقع أكثر من 60 في المائة من النمو السكاني في العالم في الفترة بين عامي 2008 و 2100 في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، التي تشكل 32 في المائة وجنوب آسيا التي تشكل 30 في المائة. ويتوقع أن تمثل هاتان المنطقتان معا نصف سكان العالم في عام 2100. وتتطلب هذه العوامل اتباع سُبل أكثر إبتكارية لإدارة موارد المياه، وبخاصة حيث يكون لاعتبار النظم الاجتماعية – الاقتصادية أهمية رئيسية لوضع استراتيجيات تكيفية ومستدامة لإدارة المياه من أجل الحد من قابلية التأثر البشري والإيكولوجي.([6]) وفضلا عن ذلك، هناك 276 من أحواض الأنهار الدولية في أنحاء العالم – 23 في المائة في أفريقيا و22 في المائة في آسيا و25 في المائة في أوروبا و17 في المائة في أمريكا الشمالية و13 في المائة في أمريكا الجنوبية. وعموما، هناك 148 بلدا بها أراض تحتوي على حوض مشترك واحد على الأقل.

        وعلى الرغم من أن هذه التحديات عالمية، لا يمكن لمؤسسة بمفردها أو بلد بمفرده مواجهتها. فلا بد من التعاون العلمي الدولي كيما يجمع بين جميع الأطراف الفاعلة، مثل مؤسسات البحوث والجامعات، والسلطات الوطنية، ووكالات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية، والرابطات الوطنية أو الدولية. والفجوة بين العلم والمجتمع عميقة، وهناك حاجة إلى تعزيز التآزر الدولي بشأن البحوث العلمية، والتعاون الدولي لتوفير الحلول وإجراء التحولات من أجل تحقيق الأمن المائي. أما التحدي الكبير الذي يواجه المجتمع الهيدرولوجي فهو العمل على نحو مشترك على تحديد تدابير التكيف المناسبة والتي تتخذ في حينها في بيئة متغيرة بصفة مستمرة.

 السنة الدولية للتعاون في مجال المياه

        في كانون الأول/ديسمبر 2010، أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2013 بوصفه السنة الدولية للأمم المتحدة للتعاون في مجال المياه. وقررت أيضا أن يركز اليوم العالمي للمياه لعام 2013، الذي يُحتفل به في 22 آذار/مارس، على موضوع التعاون في مجال المياه لزيادة إبراز أهمية هذا الموضوع، مما يضفي أهمية خاصة على هذا اليوم العالمي العشرين للمياه. وفي وقت لاحق، قامت لجنة الأمم المتحدة المعنية بالموارد المائية، وهي آلية الأمم المتحدة التي تعزز التنسيق والاتساق بشأن قضايا المياه بين وكالات الأمم المتحدة، بتكليف اليونسكو بأن تأخذ بزمام المبادرة في تنسيق أنشطة كل من السنة الدولية للتعاون في مجال المياه واليوم العالمي للمياه، وذلك بالتعاون مع وكالات الأمم المتحدة الأخرى. وفي 11 شباط/فبراير 2013، أطلق حدث رفيع المستوى عقد في اليونسكو السنة الدولية للتعاون في مجال المياه. وستكون هذه السنة احتفالا عالميا بشأن التعاون في مجال المياه، يهدف إلى التوعية وزيادة التعاون بشأن قضايا المياه، وإبراز التحديات التي تواجه إدارة الموارد المائية على ضوء الطلب المتزايد على الحصول على المياه. وستركز أيضا على القضايا الرئيسية المتعلقة بتوفير الأمن المائي للجميع، فضلا عن الإدارة السليمة والفعالة للمياه العابرة للحدود. ومن بين الأهداف والأغراض العديدة الأخرى، يُتوقع أن تعزز السنة الدولية للتعاون في مجال المياه الحوار والتعاون بشأن قضايا المياه على جميع المستويات مع أصحاب المصلحة الرئيسيين.

 

    ([1]) المعهد الدولي لتحليل النظم التطبيقي (2013)، Water Futures and Solutions: World Water Scenarios، متاح على الموقع http://www.iiasa.ac.at/web/home/research/global-water-futures-and-solutions--world-water-scen.en.html، 4 شباط/فبراير 2013.

   ([2]) Gupta, A. (2001), Challenges and Opportunities for Water Resources Management in Southeast Asia, Hydrological Sciences Journal 46(6).

   ([3]) Varady, Robert G., Katherinee Meehan, John Rodda, Matthew Iles-Shih, and Emily McGovern (2008), Strengthening Global Water Initiatives to Sustain World Water Governance.

   ([4]) التقرير العالمي لتنمية المياه 2012، الفصل المتعلق بحالة الموارد.

   ([5]) الفريق الحكومي الدولي المعني بتغير المناخ (2007)، تغير المناخ 2007، الآثار والتكيف وقابلية التأثر: إسهام الفريق العامل الثاني في موجز تقرير التقييم الرابع للفريق الحكومي الدولي المعني بتغير المناخ المعد لمقرري السياسات وفي الموجز التقني.

   ([6]) المرحلة الثامنة للبرنامج الهيدرولوجي الدولي، 2014-2021 (2012)، الأمن المائي: الاستجابات للتحديات المحلية والإقليمية والعالمية. شعبة علوم المياه التابعة لليونسكو والمعهد الدولي لهندسة البني الأساسية والهندسة الهيدرولية والبيئية.